الساعة 00:00 م
الإثنين 19 أكتوبر 2026
23° القدس
21° رام الله
22° الخليل
25° غزة
4.12 جنيه إسترليني
4.36 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.48 يورو
3.09 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

فحوصات معطلة ومواعيد مؤجلة.. الشلل التشخيصي يهدد مرضى غزة

أزمة الكاش وإغلاق المعابر.. نصف مليار شيكل محتجزة خارج تداول غزة

تقليص التمويل وتراجع الإمدادات.. "انسحاب إغاثي" يهدد أمن غزة الغذائي على أبواب الشتاء

حجم الخط
تراجع التمويل الغذائي
غزة - وكالة سند للأنباء

لم يكن عمر (اسم مستعار)، أحد العاملين في "المطبخ المركزي العالمي" بقطاع غزة، يتوقع أن يتلقى الإشعار الذي طالما خشي وصوله؛ فبعدما اعتاد خلال الأشهر الماضية رؤية زملائه يغادرون مواقعهم تباعًا مع تقليص البرامج الإغاثية، جاء دوره أخيرًا ليبلغ بانتهاء عمله برفقة نحو 300 شاب آخرين في المؤسسة ذاتها.

ويصف عمر لـ "وكالة سند للأنباء" مشاعر القلق والترقب التي سيطرت على العاملين مع كل دفعة جديدة لإنهاء العقود نتيجة تراجع حجم العمل وتقليص الوجبات اليومية المقدمة للنازحين؛ قائلاً: "كنا نضع أيدينا على قلوبنا كلما أُبلغ زملاؤنا بانتهاء عقودهم، ونتساءل متى يأتي دورنا"، مستشهدًا بإبلاغ إدارة المطبخ للعاملين باحتمال إنهاء أعمالهم كافة بحلول نهاية العام الجاري.

ولا تتوقف تداعيات هذه القرارات عند فقدان مئات العمال مصادر دخلهم الشحيحة، بل تتعداها لتمس آلاف الأسر التي تعتمد على الوجبات اليومية لتأمين غذائها في قطاع أنهكته الحرب وتراجعت فيه فرص الرزق لتصبح المساعدات ركيزته الأساسية للبقاء.

ويرصد عمر المسار التنازلي لإنتاج المطبخ المركزي؛ إذ كان يقدم نحو مليون وجبة يوميًا قبل أن يتراجع تدريجياً إلى النصف (نصف مليون وجبة)، وصولاً إلى التوجه الحالي لتقليصه إلى 100 ألف وجبة فقط مع مخاوف من انخفاضات إضافية.

ولفت إلى مقترح يهدف لحصر الوجبات المتبقية بالمستشفيات لتعذر استمرار التوزيع الواسع على العائلات ومراكز النزوح، ما يعني حرمان أعداد غفيرة من أحد أهم مصادر غذائهم اليومي.

وكان المطبخ المركزي العالمي قد أعلن في فبراير/ شباط 2026 وصول إنتاجه إلى مليون وجبة ساخنة يومياً في غزة، قبل أن يضطر في مايو/ أيار التالي لخفض عملياته تحت ضغط الأزمات المالية ونقص التمويل، مؤكدًا أن هذا التقليص لا يعكس مطلقاً انخفاض الاحتياجات الغذائية للسكان.

وفي السياق ذاته، تجسد شهادة أحمد أبدًا آخر للأزمة؛ إذ لا يقتصر تقليص المساعدات على حرمان الأسر المحتاجة من القوت، بل يمتد ليعصف بفرص العمل المحدودة التي أتاحها القطاع الإغاثي لآلاف الشباب، مضاعفاً الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على كاهل عائلاتهم.

أزمة تتسع

ولا تقف حدود الانكماش الإغاثي عند المطابخ الخيرية، بل تطال المخابز المدعومة من برنامج الأغذية العالمي، والتي تشكل منفذًا رئيسيًا للحصول على الخبز بأسعار رمزية أو مجانية لمئات آلاف الفلسطينيين. فبعدما بلغ إنتاج هذه المخابز نحو 130 ألف ربطة خبز يوميًا في فترات سابقة، تفيد معطيات محلية حديثة بهبوط الإنتاج إلى نحو 30 ألف ربطة فقط، وسط تحذيرات من ترك أعداد غفيرة عاجزة عن تأمين قوتها اليومي.

ويرتبط هذا التراجع بانحسار إمدادات الطحين؛ حيث تشير المصادر لـ "وكالة سند للأنباء" إلى أن احتياج القطاع اليومي يبلغ نحو 450 طنًا، بينما كان يوفر برنامج الأغذية نحو 200 طن، قبل أن تقلص الإمدادات وفق إفادات مسؤولين إغاثيين إلى ما لا يتجاوز 50 طنًا يوميًا.

وفاقم برنامج الأغذية العالمي هذه المؤشرات بإعلانه، اليوم الاثنين، تقليص خطط مساعداته الغذائية الشهرية في غزة جراء نقص التمويل، ما يحرم نحو نصف مليون فلسطيني من العون.

وأوضح البرنامج أن التقليص سيهبط بعدد المستهدفين من 1.6 مليون شخص إلى 1.1 مليون شخص شهرياً، في وقت يرزح فيه نحو ثلثي سكان القطاع تحت مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي.

وتُنذر هذه الإجراءات بتوسيع رقعة الحرمان الغذائي، لا سيما مع انهيار مصادر الدخل وتفشي البطالة والفقر واعتلاء المساعدات صدارة أدوات بقاء السكان على قيد الحياة.

تراجع الإمدادات وتحديات المعابر

من جانبه، يحذر رئيس جمعية النقل الخاص في قطاع غزة ناهض شحيبر، من الهبوط الحاد في تدفق المساعدات الإنسانية عبر المعابر خلال الفترة الأخيرة، مؤكداً لـ "وكالة سند للأنباء" انخفاض حجمها بأكثر من النصف مقارنة بالفترات السابقة، مقابل تصاعد الاحتياجات المعيشية لآلاف العائلات.

وشدد شحيبر أن الكميات الداخلة لم تعد تلبي الحد الأدنى من متطلبات السكان، موضحًا أن تقلص أعداد شاحنات المساعدات ينعكس مباشرة على شح المواد الغذائية في الأسواق ومراكز التوزيع، ويهدد بتعميق الكارثة الإنسانية لا سيما للذين فقدوا أعمالهم ومنازلهم.

 

ونبّه إلى أن المشكلة تتجاوز تراجع عدد الشاحنات إلى طبيعة القيود المطبقة على الأصناف والكميات؛ إذ تفتقر غزة للضخ المنتظم للطحين، المواد الغذائية، الأدوية، ومستلزمات الإيواء.

وأوضح أن الوضع الحالي يستنزف المخزون المتاح لدى التجار والمؤسسات الإغاثية، ويصعّب حصيلة الفئات الأكثر فقراً والنازحين.

وبيّن شحيبر أن انحسار المساعدات يتزامن مع تقليص مؤسسات دولية لبرامجها بسبب شح التمويل وعرقلة الإمدادات، إلى جانب تضرر دخول البضائع التجارية.

ودعا إلى التمييز بين الشاحنات التجارية والإغاثية لكونهما يتكاملان في تغذية السوق المحلي الذي لا يستطيع الاتكاء على المساعدات وحدها في ظل الدمار الشامل.

ومع اقتراب فصل الشتاء، شدد شحيبر على ضرورة مضاعفة شحنات الإيواء والخيام والأغطية والملابس الشتوية ومستلزمات التدفئة لإنقاذ آلاف القاطنين داخل خيام مهترئة، مطالبًا بضمان تدفق منتظم وكافٍ عبر المعابر وإزالة العراقيل، بدلاً من الاكتفاء بشحنات محدودة ومتقطعة.

70% نسبة الانخفاض وتحدي الشتاء

وفي القراءة الاقتصادية، كشف رئيس جمعية رجال الأعمال الفلسطينيين في قطاع غزة علي الحايك، أن حجم المساعدات الإنسانية الواردة هبط خلال الفترة الأخيرة بنسبة وصلت إلى 70%، محذراً عبر "وكالة سند للأنباء" من تفاقم المأساة المعيشية وسط الانهيار الاقتصادي الشامل وانعدام السيولة.

وأكد الحايك أن هذا التراجع الحاد يمثل مؤشرًا شديد الخطورة يستدعي دق ناقوس الخطر؛ إذ تتزايد أعداد العائلات العاجزة عن تأمين أدنى مقومات الحياة دون دعم إغاثي، مؤكدًا أن انكماش العون يتسبب بتوسيع دائرة الفقر والحرمان ومضاعفة الأعباء على المؤسسات العاملة.

وأوضح أن خطورة المرحلة تتضاعف مع أعتاب الشتاء، في ظل وجود أعداد غفيرة من النازحين في خيام لا تقي من البرد أو منازل آيلة للتقوس، ما يهدد بتحويل المنخفضات الجوية إلى فصول مأساوية جديدة.

واستعرض الحايك الاحتياجات العاجلة التي تشمل خياماً جديدة، مواد عازلة، ملابس وأغطية شتوية، إضافة إلى السماح بإدخال مواد البناء والمعدات لترميم مراكز الإيواء والمنازل المتضررة.

وشدد أن توفير الغذاء وحده لا يكفي لإنقاذ من يعيشون في العراء، مؤكداً جاهزية القطاع الخاص الفلسطيني للتدخل والمساهمة في توفير الاحتياجات شرط فتح المعابر وتسهيل حركة التجار والشركات المحلية.

ودعا إلى وضع خطة إغاثية عاجلة ومستدامة تركز على الإيواء الآمن والغذاء والدواء، مع فتح المجال أمام القطاع الخاص للمساهمة في التعافي الاقتصادي، مطالبًا المجتمع الدولي والمؤسسات الأممية والمانحين بالاضطلاع بمسؤولياتهم وتوفير التمويل والتدفق المستمر للإمدادات قبل تفاقم الأزمات الصحية والاجتماعية مع اشتداد الشتاء.