الساعة 00:00 م
الثلاثاء 20 أكتوبر 2026
19° القدس
18° رام الله
17° الخليل
24° غزة
4.13 جنيه إسترليني
4.38 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.48 يورو
3.1 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

12 ألف شهيد بلا رواتب.. موظفو غزة بين وطأة الحرب ومقصلة التجويع

#مصر #حرب غزة #قطاع غزة #عائلات الشهداء #معبر رفح #الحصار الإسرائيلي #القضية الفلسطينية #فلسطين #الانتهاكات الإسرائيلية #حركة حماس #الاحتلال الإسرائيلي #رواتب الموظفين #انتهاكات الاحتلال #موظفو غزة #وقف إطلاق النار #الشعب الفلسطيني #معبر رفح البري #العدوان الإسرائيلي #غزة تحت القصف #قصف غزة #المقاومة الفلسطينية #شهداء غزة #جرحى غزة #شمال قطاع غزة #الوسطاء #أسرى غزة #معابر غزة #عائلات الأسرى #الانسحاب الإسرائيلي #تبادل الأسرى #عمليات اغتيال #إعادة فتح معبر رفح #غزة الآن #غزة مباشر #الإبادة الجماعية #غزة تباد #العدوان العسكري #الصمود الفلسطيني #خرق الهدنة #اليوم التالي للحرب #عودة النازحين #جريمة الإبادة الجماعية #نازحو غزة #هدنة غزة #تهدئة غزة #الدول الوسيطة #خروقات الاحتلال #الخروقات الإسرائيلية #اتفاق غزة #بنود الاتفاق #مفقودو الحرب #الخط الأصفر #القوة الدولية #مجلس السلام #عائلات الجرحى #انتهاكات التهدئة #بوابة غزة للعالم #مأساة الموظفين #مصادر رزق

فحوصات معطلة ومواعيد مؤجلة.. الشلل التشخيصي يهدد مرضى غزة

3 دفعات مالية منذ بداية العام..

12 ألف شهيد بلا رواتب.. موظفو غزة بين وطأة الحرب ومقصلة التجويع

حجم الخط
موظفو غزة.jpeg
غزة - وكالة سند للأنباء

تُختزل تراكم المأساة الإنسانية في قطاع غزة داخل تفاصيل الحياة اليومية لأكثر من 45 ألف موظف حكومي، حيث أضحت قضيتهم واحدة من أكثر الملفات تعقيدًا وعمقًا في المشهد الفلسطيني.

فبعدما أن كانت الرواتب الشهريّة تشكّل الأمان المالي والوظيفي الثابت لهؤلاء الموظفين ولعائلاتهم، تحولت في ظل الحرب والانسداد السياسي لمجرد دفعات مالية شحيحة ومتباعدة لا تسد الرمق، لترمي بعشرات الآلاف من الأسر في أتون العوز والفاقة ومواجهة خطر التجويع المباشر.

يُروى عن فواز أبو عمر، الذي يحمل رتبة مقدم في الشرطة الفلسطينية بغزة، كيف تحولت اللحظات التي يترقب فيها الآباء قدوم مولود جديد بشغف إلى كابوس ثقيل يؤرق مضجعه؛ إذ لم تكن صرخات المخاض التي أطلقتها زوجته وهي تستعد لاستقبال طفلتها المنتظرة "نسرين" تحمل بشائر الفرح المعتادة، بل كانت كل صرخة تضعه أمام سؤال موجه ومحبط: من أين سيأتي بأجرة سيارة تنقل زوجته إلى المستشفى؟

يصف "أبو عمر" كيف وقف، رغم سنوات خدمته الطويلة ورتبته العسكرية، عاجزًا عن توفير أبسط متطلبات تلك اللحظة؛ حيث لم يكن يملك في جيبه ثمن المواصلات لنقل زوجته إلى مستشفى الهلال أو مستشفى الحياة في حي النصر بمدينة غزة.

ويقول بمرارة لـ "وكالة سند للأنباء": "في كل مرة كانت زوجتي تصرخ من شدة الألم وتقول لي أريد الذهاب إلى المستشفى لألد، كنت أبدأ رحلة عذاب حقيقية؛ أمسك هاتفي وأبدأ بالاتصال بأقاربي، أطلب من هذا مبلغًا ومن ذاك مساعدة، فقط لأتمكن من تأمين أجرة سيارة. تخيل أنني أحمل رتبة مقدم، وبعد سنوات طويلة من الخدمة، لا أملك حرفيًا ثمن المواصلات لنقل زوجتي كي تلد".

ولم تكن لحظة الولادة سوى رأس جبل الجليد في معانقة الوجع؛ إذ كشف "أبو عمر" عن جانب آخر لا يقل قسوة، يتعلق بسوء التغذية الذي رافق زوجته طوال الأشهر الأخيرة من الحمل.

فحاجة المرأة الحامل إلى اللحوم والحليب والفاكهة والأغذية المتنوعة انصدمت بواقع البيت الخالي، لتعيش العائلة على الأرز والوجبات المقدمة من التكايا الخيرية.

ويستذكر تلك الأيام قائلًا: "كنا نأكل مما يصلنا من التكايا، وأحيانًا لا نجد سوى الأرز. أطفال يشتهون وجبة دجاج على مائدة الغداء وأنا أقف عاجزًا، ولم تذق أسرتنا طعم الفواكه طوال تلك الفترة إلا مرة واحدة عبر قسيمة مساعدات محدودة في الشهر الأخير".

3 دفعات فقط منذ بداية العام.. و12 ألف شهيد من الكادر الوظيفي

من جانبه، يسلط نقيب الموظفين العموميين في قطاع غزة، خليل حمادة، الضوء على الأبعاد الشاملة لهذه الكارثة الإنسانية والمعيشية التي تطال 45 ألف موظف حكومي وعائلاتهم.

ويحذر "حمادة" من غياب الحلول الجدية لضمان الحقوق المالية للموظفين الذين واصلوا أداء واجباتهم في ظروف ميدانية بالغة القسوة والخطورة، مؤكدًا أن آلاف الأسر باتت تهددها مجاعة حقيقية بعد أن فقد الموظفون قدرتهم على تأمين الأساسيات.

وأوضح أن الموظفين الحكوميين يمرون بأشد أزمة معيشية في تاريخهم؛ إذ لم يتلقوا منذ بداية العام الجاري سوى ثلاث دفعات مالية محدودة للغاية، في حين انقضى أكثر من 77 يومًا كاملاً على صرف آخر دفعة.

وأكد لـ "وكالة سند للأنباء" أن هذه المبالغ المتقطعة لا يمكن تصنيفها كرواتب حقيقية، ولا تغطي أدنى الاحتياجات في ظل الارتفاع الفاحش في أسعار السلع وتداعيات الحرب التي دمرت مصادر الدخل ومقومات الاستقرار.

وأضاف حمادة بأسى: "وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها الموظف يضطر لطلب المساعدة حرفيًا لسد رمق عائلته، وهو الذي أمضى سنوات عمره في خدمة أبناء شعبه ومؤسساته.. اليوم يجد نفسه عاجزًا عن شراء الطعام لأطفاله، أو توفير الدواء لعائلته، أو حتى دفع أجرة المواصلات للوصول إلى مكان عمله".

ولفت إلى أن الأزمة القاسية ألقت بظلالها على التعليم والاجتماع؛ إذ بات الآباء عاجزين عن تسجيل أبنائهم في الجامعات لعدم القدرة على دفع الرسوم، فضلاً عن العجز عن شراء المستلزمات المدرسية والعلاجية.

وفي بُعد مأساوي آخر، كشف "حمادة" أن الحرب الإسرائيلية المتواصلة أسفرت عن استشهاد نحو 12 ألف موظف حكومي، تركوا خلفهم عائلات مكلومة فقدت معيلها الوحيد ومصدر رزقها.


 

وتواجه أسر الموظفين الشهداء ظروفًا إنسانية معقدة تجمع بين ألم الفقدان ومرارة الحاجة وخطر الفقر المدقع، وسط عدم انتظام المستحقات المالية التي تُصرف لهم.

ورغم هذه الظروف القاهرة ودمار المنشآت والمؤسسات، شدد حمادة على أن عشرات آلاف الموظفين في القطاعات الصحية والتعليمية والخدمية والإدارية استمروا في تأدية مهامهم تحت القصف، واضطر كثير منهم لقطع مسافات طويلة سيرًا على الأقدام للوصول إلى مواقع عملهم.

وطالب "حمادة" الجهات المسؤولة عن إدارة القطاع في المرحلة الحالية والمستقبلية، بدءًا من الجهات الحكومية القائمة، مرورًا باللجنة الوطنية لإدارة غزة، ووصولاً إلى مجلس السلام، بالتدخل العاجل وصرف المستحقات وعدم ترك قوت عشرات آلاف العائلات رهينة للانتظار أو المزايدات.

ورفض بشكل قاطع ربط حقوق الموظفين بالخلافات أو التجاذبات السياسية، مشددًا على أن الموظف العام هو موظف مدني يخدم مجتمعه، وليس محسوبًا على حزب أو فصيل، وأن خبرات هؤلاء الموظفين تُعد الحجر الأساس لإعادة بناء المؤسسات واستعادة الخدمات.

ركيزة الصمود المؤسسي وخط الدفاع الأخير

وفي السياق ذاته، أكد تيسير محيسن، مستشار المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة، أن الموظفين الحكوميين يمثلون الصخرة التي تحطمت عليها محاولات إجهاض المؤسسات الفلسطينية خلال سنوات الحرب؛ إذ شكلوا العمود الفقري لاستمرار الخدمات وصمود المجتمع رغم الأعباء والمخاطر التي لا تطيقها الجبال.

وبيّن محيسن لـ "وكالة سند للأنباء" أن الموظف في غزة لم يكن يمارس عملاً روتينيًا لقاء أجر، بل كان ولا يزال عنصراً محورياً في معركة بقاء المجتمع وصموده؛ فمنهم من تعرض للاعتقال والتعذيب والتنكيل على يد قوات الاحتلال أثناء أداء واجبه، ومنهم من استشهد أو أصيب، فيما واصل آخرون عملهم لشهور طويلة بعيداً عن أبنائهم وعائلاتهم.

وسلّط الضوء على النموذج البطولي الذي قدمته الطواقم الطبية والإدارية داخل المستشفيات والمراكز الصحية؛ حيث قضى بعض الكوادر أكثر من عام كامل داخل أروقة المستشفيات دون مغادرتها، ينامون لساعات قليلة على الأرض، ويقتسمون الكفاف من الطعام، ويعملون تحت الحصار ونقص الوقود والمستلزمات وسط الانفجارات المتواصلة لإنقاذ حياة الجرحى والمرضى دون أن يتسنى لهم حتى الاطمئنان على أسرهم.

ولم يقتصر هذا التفاني على القطاع الصحي، بل امتد ليشمل فرق الدفاع المدني، والبلديات، وطواقم الإغاثة والطوارئ؛ إذ واصل موظفو البلديات فتح الطرقات وإزالة الركام وإصلاح شبكات المياه والصرف الصحي، فيما انشغلت الفرق الإغاثية بمتابعة احتياجات النازحين وتوفير ما يمكن توفيره وسط ظروف ميدانية بالغة الخطورة.

وشدد أن هذا الالتزام الوطني والإنساني الاستثنائي يثبت أن الموظف يعمل بدافع من انتمائه لمجتمعه وشعبه، مؤكدًا أن حماية حقوق هؤلاء الموظفين وصون كرامتهم واستقرارهم الوظيفي ليس مجرد مطلب فئوي، بل هو ضرورة ملحة وأساسية لإعادة بناء ما دمره العدوان وضمان استمرار الحياة الكريمة للجميع.