لم تترك الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة جانباً من المنظومة الغذائية إلا وأصابته، ولم تكن الثروة الحيوانية استثناءً، فقد اقتربت خسائر القطاع من 95%، بعدما نفقت أعداد هائلة من الأبقار والأغنام والماعز والدواجن، ودُمرت مزارع ومخازن ومرافق إنتاج، فيما يكافح المربون للحفاظ على ما تبقى من قطعانهم وسط نقص الأعلاف والأدوية والمياه.
وبحسب بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "فاو" ووزارة الزراعة الفلسطينية، الصادرة حتى سبتمبر/أيلول 2026، تراجعت أعداد الأبقار في غزة إلى مستويات شبه معدومة.
وأكدت البيانات أنه لم يبقَ سوى أقل من 25 ألف رأس من الأغنام ونحو 3 آلاف رأس من الماعز، بينما انهار قطاع الدواجن إلى نحو 1% من حجمه السابق.
ولا تقتصر الخسائر على الحيوانات النافقة، فالمزارع التي كانت تؤوي القطعان تعرضت للقصف والتجريف، فيما أدت القيود على إدخال الأعلاف والأدوية واللقاحات إلى تضييق الخناق على المربين، ودفع بعضهم إلى بيع حيواناتهم أو ذبحها لتأمين الغذاء والسيولة اللازمة لعائلاتهم.
قطاع إنتاجي منهار
وتشير بيانات الفاو إلى أن الحرب أصابت البنية التي تقوم عليها تربية المواشي وإنتاج الغذاء، من المزارع إلى مصادر المياه والمنشآت المساندة.
وتعرضت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية للتدمير أو أصبحت غير متاحة للمزارعين، ما قلّص المساحات التي يمكن استخدامها للرعي وإنتاج الأعلاف.
وفي تقييم مشترك للفاو ومركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية "يونوسات"، تبين أن نحو 87% من الأراضي الزراعية في القطاع تعرضت لأضرار، فيما بقيت نسبة محدودة فقط من الأراضي متاحة وغير متضررة وقابلة للوصول.
وبحلول أغسطس/آب 2026، قالت الفاو إن 3% فقط من الأراضي الزراعية بقيت متاحة وغير متضررة، بينما كانت مساحات أخرى متاحة للوصول لكنها تحتاج إلى إعادة تأهيل قبل أن تستعيد قدرتها الإنتاجية.
موت بطيء للقطعان
ومع تراجع الإمدادات، واجه مربو المواشي معضلة توفير الغذاء والمياه للحيوانات التي نجت من القصف، فالنقص الحاد في الأعلاف، إلى جانب تراجع مصادر المياه وتضرر البنية الزراعية، جعل الحفاظ على القطعان المتبقية مهمة شاقة.
وأدى نقص الأدوية واللقاحات البيطرية إلى زيادة مخاطر انتشار الأمراض بين الحيوانات، في وقت تراجعت فيه قدرة القطاع البيطري على الاستجابة بسبب الحرب ونقص المستلزمات.
ولجأ بعض المربين، وفق إفادات ميدانية، إلى إطعام حيواناتهم بما يتوافر من بدائل غير كافية، فيما اضطر آخرون إلى بيع جزء من القطعان أو ذبحها قبل أوانها، ما أضعف القدرة على إعادة إنتاج المواشي مستقبلاً.
خسارة تتجاوز الحيوان
ولا تعني خسارة الثروة الحيوانية فقدان الحيوانات فقط، بل تمتد إلى الغذاء والعمل والدخل، فالأبقار والأغنام والماعز والدواجن كانت توفر للأسر الحليب واللحوم والبيض، كما شكلت مصدر دخل أساسي لآلاف المربين.
ومع انهيار هذه القطاعات، فقدت الأسر جزءاً مهماً من مصادر البروتين الحيواني، في وقت يعاني فيه سكان غزة أصلاً من أزمة غذاء حادة واعتماد واسع على المساعدات الإنسانية.
وترى الفاو أن تدمير القطاع الزراعي والحيواني يهدد قدرة غزة على إنتاج غذائها محلياً، ويجعل التعافي أكثر تعقيداً، إذ لا يكفي تعويض الحيوانات النافقة من دون إعادة بناء المزارع ومصادر المياه وشبكات الإنتاج وتوفير الأعلاف والأدوية.
محاولات لإنقاذ ما تبقى
ورغم حجم الدمار، بدأت الفاو برامج طارئة لدعم المربين الذين تمكنوا من الاحتفاظ بجزء من مواشيهم، شملت المساعدات دعماً نقدياً مشروطاً لأكثر من ألفي مربٍ من الأسر التي بقي لديها رأس واحد على الأقل من الأغنام أو الماعز.
ووزعت المنظمة كميات من الأعلاف والمستلزمات البيطرية، في محاولة للحفاظ على القطعان المتبقية وتأمين إنتاج الحليب واللحوم.
وفي القطاع الزراعي، وسعت الفاو برامج الدعم لتشمل آلاف المزارعين الصغار، مع توفير مستلزمات إنتاج تساعد على استعادة جزء محدود من الإنتاج المحلي، في حال توافرت إمكانية الوصول إلى الأراضي والمياه.
لكن هذه الإجراءات تبقى محدودة أمام حجم الخسائر، فإعادة الثروة الحيوانية إلى مستوياتها السابقة للحرب تحتاج إلى سنوات من العمل، تبدأ بإعادة تأهيل المزارع والأراضي ومصادر المياه، وتوفير الأعلاف والأدوية، ثم إعادة بناء القطعان ودورة الإنتاج.
