في رحلةٍ لم تكن قد بلغت نهايتها مع السرطان، تحاملت آمال غازي الريفي على نفسها للعودة إلى قطاع غزة وفي جسدها معركة لم تنتهِ بعد، تحمل ما تبقى من أمل في استكمال علاج السرطان.
لكن الطريق الذي سلكته بحثًا عن فرصة لمواصلة العلاج انتهى باعتقالها مع ابنتها ياسمين من قِبل قوات الاحتلال الإسرائيلي، لتُحرم أمّ في الستين من عمرها من استكمال رحلتها الطبية، وتُترك أسرتان معلّقتين على خبر يطمئنهما على مصير امرأتين كانتا تعودان إلى بيتهما، لا إلى زنزانة.
في 20 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي آمال وابنتها ياسمين رفعت الريفي (33 عامًا)، أثناء عودتهما إلى قطاع غزة عبر معبر رفح البري، عقب رحلة علاج في جمهورية مصر العربية.
ومنذ ذلك الحين، لا تعرف العائلة على وجه اليقين ما ستؤول إليه الحالة الصحية للأم التي يعاني جسدها من السرطان، بعدما امتد المرض، إلى الرئتين، فيما لا تزال ابنتها محتجزة معها، بعيدًا عن طفلتها وأسرتها.
رحلة علاج لم تكتمل
تقول ميسون رفعت الريفي، ابنة "آمال"، إن والدتها عانت أوضاعًا نفسية صعبة وتدهورًا في حالتها الصحية، ما دفعها إلى العودة إلى القطاع لاستكمال جرعات العلاج الكيماوي المتبقية، بعد التواصل مع مستشفى الأورام والتأكد من توفر العلاج.
وتوضح "الريفي" لـ"وكالة سند للأنباء"، أن والدتها لم تكن قد أنهت رحلتها العلاجية في مصر، إذ كانت تحتاج إلى أربع جرعات كيماوية إضافية، تعقبها مراحل أخرى من العلاج والمتابعة الطبية، ما يجعل انتظامها في تلقي الرعاية الصحية ضرورة لا تحتمل التأجيل.
لكن العودة التي خططت لها العائلة لاستكمال العلاج تحولت إلى مصدر خوف وقلق، بعدما اعتقلت قوات الاحتلال الأم وابنتها، دون أن تتمكن الأسرة من الاطمئنان على أوضاعهما الصحية والقانونية، في ظل منع المحامي من زيارتهما.
وتقول العائلة إن حالة آمال الصحية تستدعي تدخلًا عاجلًا لضمان حصولها على العلاج والرعاية المتخصصة، محذرة من أن تعطيل متابعتها الطبية قد يعرض سلامتها للخطر، خصوصًا في ظل إصابتها بالسرطان وحاجتها إلى استكمال العلاج.
ووجهت ميسون مناشدة عاجلة للإفراج عن والدتها، والسماح لها بلقاء محامٍ للاطمئنان على وضعها القانوني والصحي، في ظل المخاوف المتزايدة من تدهور حالتها الصحية والنفسية
حفيد ينتظر جدته.. فيعود بخبر اعتقالها
على الجانب الآخر في مستشفى ناصر الطبي بخانيونس جنوب قطاع غزة، كان الفتى وسيم سائد شرير ينتظر عودة جدته آمال وخالته ياسمين، مترقبًا لحظة وصولهما إلى غزة بعد رحلة العلاج، لكنه فوجئ بإبلاغه من مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) باعتقالهما من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي.
وبدلًا من استقبال جدته العائدة لاستكمال علاجها، وجد وسيم نفسه أمام خبر اعتقالها مع خالته، في واقعة أعادت العائلة إلى دوامة الانتظار والخوف على مصيرهما.
وأشار "وسيم" لـ"وكالة سند للأنباء"، إلى أن جدته مصابة بسرطان الثدي والرئة، مطالبًا الجهات الدولية والحقوقية بالكشف عن ظروف اعتقالهما وأسبابه، والعمل على ضمان سلامتهما والإفراج عنهما.
وحول التفاصيل، يصف لحظة تلقيه الخبر حيث فوجئ بسؤال موظف "أوتشا" عن سبب تواجده ومَن ينتظر، ليُبلَّغ حينها "بكُل أسف" أن جدته وخالته رهن الاعتقال لدى سجون الاحتلال.
وتلقت عائلة "الريفي" خبر تمديد اعتقال السيدة آمال وابنتها إلى الثالث من شهر ديسمبر/ كانون الأول القادم، دون السماح لهما بلقاء محامٍ أو الكشف عن أوضاعهما داخل السجون، وفق ما أفادت به "ميسون".
وإلى جانب المخاطر الصحية والقانونية، يترك اعتقال آمال وابنتها تداعيات مباشرة على أسرتيهما؛ فالأم مسؤولة عن إعالة أربعة أيتام، بينما تعيل ياسمين طفلتها التي تعيش في حضانتها، وفق ما أفادت به العائلة.
وأعلن المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى أن سلطات الاحتلال مددت احتجاز السيدتين حتى الثالث من ديسمبر/كانون الأول 2026، ومنعتهما من لقاء محاميهما، في إجراء يضاعف قلق العائلة إزاء ظروف احتجازهما وسلامتهما الصحية والنفسية.
ويدعو المركز الفلسطيني إلى الإفراج الفوري عن السيدتين، مطالبًا بتدخل دولي عاجل لضمان سلامتهما ووضع حد لاعتقال الفلسطينيين أثناء سفرهم أو عودتهم عبر المعابر.
خوف من العودة
ولا تبدو قضية آمال وابنتها معزولة عن مخاوف أوسع تتعلق بسلامة الفلسطينيين أثناء تنقلهم من قطاع غزة وإليه، إذ تتزايد التحذيرات الحقوقية من اعتقال مسافرين خلال عودتهم عبر المعابر، بمن فيهم مرضى وعائدون من رحلات علاج.
وفي أحدث المعطيات المتاحة حتى 22 أكتوبر/تشرين الأول 2026، ارتفع عدد الفلسطينيين الذين اعتقلتهم سلطات الاحتلال أثناء سفرهم أو عودتهم عبر معبري رفح وكرم أبو سالم إلى سبعة مواطنين، بينهم سيدتان، وفق ما أعلنه مدير مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان علاء السكافي، ونقله المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى.
وسبق اعتقال آمال وابنتها، في الثاني من أكتوبر/تشرين الأول الجاري، اعتقال المواطن محمد جهاد الشوربجي (24 عامًا)، من سكان مخيم النصيرات وسط القطاع، أثناء عودته من مصر عبر معبر رفح.
وأفادت مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان، في الخامس من أكتوبر/تشرين الأول، أنها تمكنت من معرفة مكان احتجازه، موضحة أنه موجود في سجن عسقلان، وأن توقيفه مُدد حتى 18 نوفمبر/تشرين الثاني، مع منعه من الزيارة حتى 20 أكتوبر/تشرين الأول.
وتثير هذه الوقائع تساؤلات بشأن الضمانات المتاحة لحماية المسافرين، لا سيما المرضى والعائدين من العلاج، في ظل حاجة سكان القطاع إلى التنقل لتلقي الرعاية الطبية أو العودة إلى أسرهم بعد فترات من الغياب.
وكان المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى قد تساءل عن دور البعثة الأوروبية العاملة في معبر رفح، وعن الضمانات التي تكفل حماية المسافرين من الاعتقال خلال العبور، مطالبًا بتدخل دولي يضمن سلامتهم ويحول دون تكرار هذه الحالات.
