الساعة 00:00 م
الخميس 22 أكتوبر 2026
26° القدس
25° رام الله
25° الخليل
28° غزة
4.13 جنيه إسترليني
4.36 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.47 يورو
3.09 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

التنمية تحذر من مجاعة وشيكة: دخول المساعدات لغزة لا يتجاوز 30% من احتياجات سكانها

"رصاص داخل الزنازين".. حروق تطارد الأسرى وتضاعف قسوة الاعتقال

حجم الخط
الأسرى في سجون الاحتلال
رام الله - وكالة سند للأنباء

في زنازين معتمة وجدران إسمنتية باردة، لم تعد معاناة الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي تقف عند سلب الحرية وتجريدهم من مقومات الحياة الأساسية، بل تحولت التفاصيل اليومية إلى ساحة مواجهة مع أساليب تنكيل مستحدثة، تتجاوز كل الخطوط الحمراء لتستهدف الجسد الأعزل بالذخائر الحارقة والمطاطية.

فبين شهادات حيّة أدلى بها أسرى محرّرون وتوثيقات حقوقية صريحة، تتكشف أبعاد سياسة عقاب وانتقام ممنهجة تعتمدها إدارة سجون الاحتلال عبر وحدات القمع؛ حيث تُطلق النار مباشرة نحو المعتقلين داخل الغرف والأقسام الضيقة، لمجرد تقديم يد العون لرفيق قيد أو المطالبة بجرعة دواء.

شهادة من الجحيم.. حروق واعتداءات في "عوفر"

يروي الأسير المحرّر محمد جعفر، من محافظة رام الله، تفاصيل كابوس عاشه داخل معتقل "عوفر" العسكري غربي المدينة، بعدما استهدفته وحدات القمع بالرصاص المباشر مرتين، متسببة له بحروق بالغة وأضرار جسدية عميقة.

يستحضر جعفر لـ "وكالة سند للأنباء" مأساة تلك الليلة: "كنا نعكف على توزيع وجبات الطعام على الأسرى، وفجأة صدرت أوامر بإعادتنا فوراً إلى الزنزانة. وما هي إلا دقائق معدودة حتى اقتحمت قوة قمع الغرفة، ووجّه أحدهم سلاحه نحو صدري مطلقاً رصاصة محشوة بالكبريت الحارق".

ويستكمل: "خلّفت الرصاصة حروقًا شديدة، وتركت بقعًا حمراء تنزف دماً مكشوفاً بغير ضماد. ولم تقف المعاناة عند هذا الحد، بل اندفعت عناصر وحدة اليمّاز المقنعة مدججة بالأسلحة والكلاب البوليسية لتبدأ جولة من الضرب المبرح والشتائم، حتى سالت الدماء من رأسي وكامل جسدي".

ويكشف جعفر عن تفاصيل عملية الإذلال التي تلت ذلك؛ إذ جُرّد من ملابسه بالكامل ونُقل إلى "حمام القسم" بداعي التفتيش، ليقف طبيب السجن برفقة الضابط الأمني لالتقاط صور لمواضع الحروق والنزيف دون تقديم أي إسعاف أو مسكن للألم.

ولم تقف ممارسات التنكيل عند هذا الحد، إذ أُجبر على حلاقة رأسه ولحيته بماكينة قديمة مُتهالكة تناوب على استخدامها آلاف المعتقلين، مما أدى إلى اقتلاع شعره وتسرب الدماء من فروة رأسه قبل أن يُعاد إلى زنزانته يصارع أوجاعه.

ويستطرد موضحًا: "استمرت معاناتي مع حروق الرصاص لأسابيع طويلة، حُرمت خلالها من المسكنات والمراهم الطبية كتدبير عقابي، وتكبدت عناء النوم لليالٍ متصلة على شقي الأيسر فقط، حتى كنت أستيقظ وجسدي في حالة تخدّر كامل".

رصاص بدلاً من العلاج

تتلاقى شهادة جعفر مع رواية أخرى ننقلها عن محامية الأسير أمير دغرة، الصامد حتى اللحظة داخل زنازين "عوفر"؛ حيث نقلت عنه تفاصيل جحيم يعكس عمق سياسة الإهمال الطبي وتحويل الغرف إلى بيئات موبوءة بالأمراض.

وأفاد دغرة محاميته خلال زيارتها الأخيرة بأنه كان يكابد آلامًا شديدة جراء إصابته بمرض الجرب "السكابيوس"، وعندما نادى المطالبة بدواء يخفف حدة الحكة والطفح الجلدي المتفشي في جسده، كانت الاستجابة بإطلاق النار المباشر نحوه، ليمتزج صراخ المرض بنزيف الرصاص الحارق وسط مساحة ضيقة تحرم المريض حتى فرصة المناورة أو الاختباء.

إصابات بالغة واستئصال أعضاء

لا تبدو قصص محمد وأمير شواهد فردية؛ إذ وثّق تقرير مشترك لمنظمتي "أطباء لحقوق الإنسان" و"اللجنة العامة لمناهضة التعذيب في إسرائيل" ما لا يقل عن 22 إفادة لمعتقلين تعرضوا لإطلاق النار المباشر من قوات القمع داخل سجون عدة، بينها: عوفر، وجلبوع، ومجدو، وكتسيعوت، ونيتسان، مما أسفر عن إصابات حرجة وخضوعهم لعمليات جراحية معقدة.

ورغم محاولة إدارة سجون الاحتلال تغليف هذه الذخائر بمسمى "وسائل أقل فتكًا" وامتناعها عن كشف قواعد إطلاقها، تؤكد المؤسسات الحقوقية أن استخدام هذه الأسلحة تحول إلى أداة منهجية لممارسة العنف، تسبب نزيفًا حادًا وأضرارًا دائمة بالأعضاء الداخلية.

ومن بين الحالات الصارخة التي وثقها التقرير، معتقل (45 عامًا) نُقل إلى مستشفى "سوروكا" في حزيران/ يونيو الماضي إثر استهدافه بالرصاص المطاطي؛ حيث أظهرت الفحوصات الطبية إصابته في مناطق متعددة من جسده بينها الخصيتان، مما استدعى إخضاعه لعملية جراحية عاجلة لاستئصال الخصية اليمنى إثر تعرضها لتهتك كامل.

وسجل التقرير أيضًا حالة معتقل آخر أصيب بكسر بالغ في ساقه اليسرى جراء إطلاق النار عليه من مسافة صفر داخل الزنزانة، ونُقل إلى المستشفى ذاته لتثبيت الكسر جراحيًا، إلى جانب تسجيل إصابات متفرقة في الساقين والبطن والحوض واليدين.

تصعيد خطير وتطور غير مسبوق

من جهته، حذّر رئيس نادي الأسير الفلسطيني، عبد الله الزغاري، من خطورة لجوء منظومة الاحتلال لاستخدام الرصاص المطاطي والذخائر الحارقة وإطلاقها مباشرة نحو الأسرى والأسيرات داخل غرفهم المحتجزة، مؤكدًا أن ذلك يمثل تطورًا غير مسبوق في حدة الاعتداءات.

وأوضح الزغاري لـ "وكالة سند للأنباء" أن الوحدات الخاصة تتعمد إطلاق النار من مسافات ممتدة بالقرب من أجساد المعتقلين وهم مقيدو الحركة وغير قادرين على حماية أنفسهم، ودون وجود أي مبرر أمني يهدد أمن السجانين.

ودحض الزغاري الادعاءات الإسرائيلية التي تصف هذه الذخائر بأنها غير قاتلة، مبينًا أنها خلّفت إصابات بليغة ونزيفًا حادًا وكسورًا ورضوضًا في مناطق حيوية من أجساد المعتقلين، مشيرًا إلى أن هذه السياسة تصاعدت بصورة غير مسبوقة خلال السنوات الثلاث الماضية وفي ظل حرب الإبادة الجماعية المتواصلة.

ولفت رئيس نادي الأسير إلى أن الاحتلال يجدد استخدام أساليب قديمة؛ كإعادة لسيناريو عام 1988 خلال الانتفاضة الأولى حين اقتحمت القوات معتقل النقب الصحراوي وأطلق مدير السجن حينها الرصاص الحي، مما أدى لترجّل الشهيدين بسام السمودي من اليامون بجنين، وأسعد جبر الشوا من حي الشجاعية بـ غزة.

وشدد  أن مؤسسات الأسرى استكملت توثيق عشرات الإفادات لشهادات معتقلين ومحررين تعرضوا لإطلاق النار والعزل القسري، محمّلاً المنظومة الحقوقية والدولية المسؤولية الكاملة للتحرك الجاد ووقف هذه الانتهاكات التي ترتقي إلى مستوى "جرائم ضد الإنسانية".