قبل أيام قليلة من الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، جاءت عملية إطلاق النار قرب حاجز "فرش الهوى" في مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية، لتضع حكومة الاحتلال الإسرائيلي أمام اختبار جديد، في لحظة تتنافس فيها الأحزاب الإسرائيلية على إقناع الناخبين بقدرتها على توفير الأمن واحتواء "التهديدات".
فالعملية التي استهدفت موقعًا عسكريًا قرب الخليل، وأسفرت وفق تقارير إسرائيلية عن مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة آخرين، وانتهت باستشهاد منفذَيْها برصاص قوات الاحتلال، لم تكن مجرد حدث ميداني عابر؛ إذ أعقبها استنفار عسكري وإغلاق طرق وفرض قيود على الحركة، وفرض إغلاق على الضفة الغربية، فيما دخلت تداعياتها سريعًا في الحسابات السياسية الإسرائيلية قبيل الاقتراع.
وتكتسب العملية دلالتها من اجتماع ثلاثة عوامل: وقوعها في محافظة تقع تحت منظومة مشددة من السيطرة العسكرية والاستيطانية، وقدرتها على إحداث إصابات في صفوف جنود الاحتلال، وتزامنها مع انتخابات تتصدر فيها قضايا الأمن والحرب والإخفاقات العسكرية اهتمامات الناخبين.
وهنا لا يعود السؤال مقتصرًا على كيفية وقوع العملية، بل يمتد إلى ما تكشفه عن حدود قدرة الاحتلال على فرض معادلة أمنية مستقرة في الضفة الغربية.
الانتخابات الإسرائيلية.. حين يتحول الحدث الأمني إلى ورقة سياسي
وتأتي العملية قبل أيام من انتخابات الكنيست المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول، وسط نقاش إسرائيلي محتدم بشأن الإخفاقات الأمنية، وكلفة الحرب، وقدرة الحكومة على حماية الإسرائيليين.
وأشارت قراءة نشرها مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في 7 أكتوبر/تشرين الأول إلى أن الانتخابات تجري في ظل أزمات متشابكة، تشمل الانقسامات داخل معسكر اليمين، والتوتر الأمني في الضفة، وتداعيات الحروب على المشهد السياسي الإسرائيلي.
وقد دخلت عملية الخليل هذا السجال بصورة مباشرة؛ إذ أفادت وكالة "أسوشيتد برس" أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أمر بإغلاق فوري في الخليل، وبالاستعداد لفرض إغلاق واسع في الضفة الغربية، كما ربط العملية بحركة حماس، محذرًا من محاولات للتأثير في الانتخابات.
فيما نقلت وسائل إعلام إسرائيلية إلغاء "نتنياهو" جولاته الميدانية ومقابلاته المتعلقة بالانتخابات عقب عملية الخليل.
كما دخلت العملية على خط السجال سياسي إذ استغلتها المعارضة لمهاجمة أداء الحكومة والمنظومة الأمنية، وسط تبادل الاتهامات بشأن الإخفاق في رصد العملية مسبقًا وغياب الإنذارات الاستخبارية، وعجز الحكومة عن توفير الشعور بالأمن للإسرائيليين، في سجال برزت فيه مواقف شخصيات معارضة، من بينها غازي آيزنكوت، قبيل الانتخابات الإسرائيلية.
إلى جانب تصاعد النقاش في الدوائر السياسية حول احتمالية استغلال الأحزاب اليمينية والمتطرفة مثل "بن غفير" للعملية لفرض أجندات تتعلق بالضفة الغربية، أو حتى طرح سيناريوهات مرتبطة بتعطيل أو تأجيل يوم الانتخابات وإرباك المشهد السياسي.
وتكشف هذه الموقف كيف يمكن لعملية ميدانية أن تتحول، خلال فترة انتخابية حساسة، إلى مادة لتبادل الاتهامات وتبرير إجراءات أمنية مشددة.
فالحكومة الإسرائيلية مطالبة بإظهار قدرتها على الردع، فيما تسعى القوى السياسية إلى توظيف الملفات الأمنية في تقييم أداء الحكومة ومساءلتها عن قدرتها على منع الهجمات، فيما يُوجه ذلك على الشعب الفلسطيني القابع تحت نيران الاحتلال الإسرائيلي.
بين الرد الأمني وحدود الردع
وفي أعقاب العملية، دفعت قوات الاحتلال بتعزيزات إلى محيط الخليل، وفرضت إغلاقات وشرعت في عمليات تمشيط، وفق تقارير ميدانية.
وتعيد هذه الإجراءات طرح معادلة تتكرر في الضفة: فبعد كل عملية، تتجه سلطات الاحتلال إلى تشديد القيود وتوسيع الانتشار العسكري، وهي إجراءات تفرض واقعًا أمنيًا أكثر صعوبة على الفلسطينيين.
كما أن تزامن الحدث مع الانتخابات يضع الحكومة أمام معادلة دقيقة؛ إذ قد تسعى إلى إظهار الحزم عبر الإغلاقات والتعزيزات، لكنها تواجه في الوقت نفسه سؤالًا سياسيًا عن أسباب استمرار وقوع عمليات مقاومة رغم "المنظومة العسكرية والأمنية الواسعة" التي تديرها في الضفة.
الخليل تختبر الرواية الأمنية الإسرائيلية
وتضع عملية الخليل، في توقيتها ونتائجها المعلنة، الرواية الأمنية الإسرائيلية أمام اختبار جديد، وتذكّر بأن الضفة الغربية ليست ملفًا منفصلًا عن الحسابات السياسية الإسرائيلية، بل إحدى ساحات الصراع التي تتداخل فيها الإجراءات العسكرية مع المنافسة الانتخابية.
ومع اقتراب موعد الاقتراع، قد تكون التداعيات الأوضح للعملية في المرحلة الأولى هي تشديد الإجراءات الميدانية وتصاعد الخطاب الأمني، فيما يبقى أثرها على اتجاهات الناخبين غير محسوم.
أما دلالتها الأوسع، فتتمثل في أن التفوق العسكري واتساع منظومة السيطرة لا يضمنان وحدهما إنهاء المواجهة أو منع وقوع عمليات جديدة.
وبينما تحاول القوى الإسرائيلية تقديم الأمن بوصفه معيارًا للحكم على الحكومة المقبلة، تظل الخليل شاهدًا على فجوة مستمرة بين أدوات السيطرة الإسرائيلية والقدرة على فرض استقرار دائم في الضفة الغربية.
الخليل.. محافظة مثقلة بالسيطرة والاعتداءات
وتعيش الخليل واحدة من أكثر البيئات الفلسطينية تعقيدًا بفعل الانتشار العسكري الإسرائيلي، والحواجز، والاستيطان، والقيود المفروضة على حركة المواطنين، ولا سيما في محيط البلدة القديمة ومناطق التماس مع المستوطنات.
وبحسب تقرير لهيئة مقاومة الجدار والاستيطان، في الرابع من أكتوبر/تشرين الأول الجاري، تصدرت محافظة الخليل المحافظات الفلسطينية في عدد اعتداءات الاحتلال ومستوطنيه خلال الأعوام الثلاثة التي تناولها التقرير، بواقع 10,840 اعتداءً، تلتها رام الله والبيرة بـ10,594، ثم نابلس بـ10,261، والقدس بـ7,315 اعتداءً.
وتقدم هذه الأرقام خلفية مهمة لفهم المشهد في المحافظة؛ فالتصعيد لا يجري في فراغ، بل في بيئة تتداخل فيها السيطرة العسكرية مع الاعتداءات الاستيطانية والتضييق على الفلسطينيين.
ولا تعني كثافة الاعتداءات بالضرورة ارتفاعًا مماثلًا في عدد العمليات المسلحة، إذ ينبغي التمييز بين بيانات انتهاكات الاحتلال وبيانات أعمال المقاومة.
وبحسب قاعدة بيانات مركز معلومات فلسطين "مُعطى"، التي تغطي الفترة من يناير/كانون الثاني 2018 حتى 21 أكتوبر/تشرين الأول 2026، سُجل في المحافظة 9,389 عملًا مقاومًا شعبيًا ونوعيًا، لتأتي رابعة بين المحافظات التي يعرضها المركز، بعد نابلس ورام الله والقدس.
ماذا تقول الأرقام عن مسار المقاومة في الضفة؟
وتُظهر بيانات مركز "مُعطى" أن الضفة الغربية والقدس شهدتا خلال سبتمبر/أيلول الماضي 190 عملًا مقاومًا شعبيًا ونوعيًا، بينها 13 عملية نوعية و177 عملًا شعبيًا، وفق التقرير المنشور في الأول من أكتوبر/تشرين الأول.
وتكشف المقارنة مع الشهرين السابقين أن المشهد لا يسير في خط تصاعدي ثابت؛ فقد وثق المركز 265 عملًا مقاومًا في يوليو/تموز، و280 في أغسطس/آب، قبل أن يتراجع العدد إلى 190 في سبتمبر/أيلول.
وتبرز عملية الخليل باعتبارها حدثًا لافتًا في توقيتها ونتائجها الميدانية المعلنة، لا دليلًا منفردًا كافيًا على موجة تصاعد جديدة في مجمل عمليات المقاومة.
