الساعة 00:00 م
الإثنين 02 نوفمبر 2026
26° القدس
25° رام الله
26° الخليل
31° غزة
4.21 جنيه إسترليني
4.43 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.52 يورو
3.14 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

حكومة الاحتلال المقبلة.. العرب أمام خيارات صعبة

متابعة خاصة من لا يملك لمن لا يستحق.. ماذا تعرف عن "وعد بلفور" المشؤوم؟

حجم الخط
وعد بلفور
رام الله - وكالة سند للأنباء

تحل اليوم الاثنين (2 نوفمبر/ تشرين الثاني) الذكرى المشؤومة لصدور وعد بلفور، التي وجّه فيها وزير الخارجية البريطاني آنذاك، آرتور بلفور، رسالةً قصيرةً لا تتجاوز 67 كلمة إلى اللورد ليونيل روتشيلد، أحد أبرز زعماء الجالية اليهودية في بريطانيا.

حملت تلك الرسالة تعهدًا خطيًا رسميًا من حكومة الاحتلال البريطاني بإنشاء "وطن قومي لليهود في فلسطين"، متجاهلةً بالكامل وجود الشعب الفلسطيني الأصيل صاحب الأرض والتاريخ، ومختزلةً حقوقه في عبارة مهينة وُصِف فيها الفلسطينيون بـ "الطوائف غير اليهودية".

ولم يكن ذلك الوعد مجرد نص عابر على ورق، بل كان حجر الأساس لجريمة منظمة استهدفت اقتلاع شعب بأكمله من جذوره، وإعادة هندسة جغرافيا الشرق الأوسط بالدم والنار.

من لا يملك لمن لا يستحق

وجسّدت هذه الرسالة ذروة التواطؤ الاستعماري باجتماع أركان الجريمة الثلاثة؛ حيث تمثّل الطرف المانح في قوة استعمارية وهي بريطانيا التي منحت ما لا تملك لمن لا يستحق، بينما تبيّن المستفيد في الحركة الصهيونية العالمية التي سعت لاستيطان أرض مسلوبة، ليبقى الشعب الفلسطيني هو الضحية المنسية الذي تعرّض لتآمر دولي جُرّد بموجبه من حقه الطبيعي والسياسي في تقرير مصيره.

ولم يُولَد الوعد في فراغ سياسي، بل جاء نتاج مفاوضات مكثفة امتدت ثلاث سنوات بين الحكومة البريطانية والمنظمة الصهيونية العالمية ممثلة بنخبها النافذة، بعدما نجح الصهاينة في تقديم مشروعهم كركيزة أساسية لحماية المصالح الاستراتيجية لبريطانيا في الشرق الأوسط.

ولم تكن لندن تغرد منفردة؛ إذ حظيت مسودة الوعد بموافقة مسبقة من الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون، قبل أن تعلن فرنسا وإيطاليا ثم اليابان تأييدها الرسمي له بين عامي 1918 و1919، وهو ما يكرّس توصيف الفلسطينيين له باعتباره تواطؤًا غربيًا متكاملًا ولم يكن مجرد إرادة بريطانية منفردة.

وتحوّل هذا الوعد إلى التزام دولي ملزم عقب قرار المجلس الأعلى للحلفاء في مؤتمر "سان ريمو" عام 1920 بمنح بريطانيا صك الانتداب على فلسطين، متضمنًا نصًا صريحًا يفرض وضع بلفور موضع التنفيذ، وهو المشروع الذي أقرته عصبة الأمم رسميًا عام 1922 ودخل حيز التنفيذ الفعلي في سبتمبر 1923.

وعندما تسلّمت بريطانيا صك الانتداب لتنفيذ بنود الوعد حرفيًا، فتحت باب الهجرة الاستيطانية على مصراعيه ومهدت الطريق أمام العصابات الصهيونية لتسليح نفسها وفرض سيطرتها على أرض الواقع.

وأمام موجة الغضب والاستنكار العارمة التي سادت الأوساط العربية، عمدت لندن إلى ممارسة الخداع؛ فأوفدت الكولونيل "باست" برسالة تطمينية إلى الشريف حسين تزعم فيها عدم السماح بالاستيطان إلا بما لا يضر بالمصالح الاقتصادية والسياسية للسكان الأصليين.

غير أن الوقائع على الأرض كشفت عكس ذلك تمامًا؛ إذ أصدرت السلطات العسكرية البريطانية تعليماتها بالانصياع لتوجيهات اللجنة الصهيونية برئاسة حاييم وايزمان، وسهّلت تدفق قوافل المهاجرين اليهود من روسيا وأوروبا الشرقية وفرضت الحماية الأمنية لهم.

في حين اتخذت الحركة الصهيونية من هذا التعهد الدولي غطاءً قانونيًا وسياسيًا للانتقال بمشروعها من مرحلة التنظير الأيديولوجي ـالتي تبلورت في المؤتمر الصهيوني الأول بمدينة بازل السويسرية عام 1897، إلى مرحلة التثبيت الميداني لبناء "وطن قومي" يجمع الشتات على حساب الحق التاريخي لأصحاب الأرض.

في المقابل، جابه الشعب الفلسطيني هذا المخطط بالرفض الميداني الحاسم؛ فخاض سلسلة من الانتفاضات والثورات المتلاحقة لإسقاط مفاعيل الانتداب، كان أبرزها ثورة البراق عام 1929 والثورة الكبرى عام 1936.

غير أن تدحرج نتائج هذا الوعد أفضى إلى نكبة عام 1948، التي أسفرت عن تهجير وتشريد أكثر من 800 ألف فلسطيني قسرًا من ديارهم إلى الشتات، وتدمير وإبادة أكثر من 500 قرية وبلدة فلسطينية ومحو أسمائها من الخريطة، وصولاً إلى سلب الوطن التاريخي وتحويله إلى كيان قام على أنقاض أصحاب الأرض الأصليين.

الواقع اليوم.. استمرار للجريمة وتصاعد للضم

وبعد أكثر من قرن على صدور الوعد، لا تزال تداعياته تتكشف بأبشع صورها في الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث يتواصل مسلسل الإبادة والتهجير بوتيرة غير مسبوقة.

ففي الضفة الغربية والقدس، تترجم تداعيات وعد بلفور عبر هجمة استيطانية غير مسبوقة وسياسة ضم فعلي تكرّس اقتلاع الأرض والسكان؛ إذ تشير المعطيات الرسمية لهيئة مقاومة الجدار والاستيطان لعام 2026 إلى قفزة قياسية في وتيرة السيطرة على الأرض.

إذ يرتفع إجمالي عدد المستوطنين إلى نحو 780 ألف مستوطن، يتوزع 333,600 منهم في القدس، مقابل 446,400 مستوطن ينشطون في مختلف محافظات الضفة. ويتوزع هؤلاء على 592 منشأة استيطانية، تضم 192 مستوطنة رسمية و400 بؤرة استيطانية، من بينها 231 بؤرة رعوية وزراعية دُشنت خصيصًا كأداة للسيطرة على مساحات شاسعة من المراعي والأراضي المفتوحة.

وتُوجت هذه الترسانة الاستيطانية بفرض السيطرة المباشرة على نحو 42% من إجمالي مساحة الضفة الغربية، مع تمدد النفوذ ليطال 71% من الأراضي المصنفة (ج) و91% من مساحة الأغوار الفلسطينية.

كذلك تسارعت إدارات التخطيط في سلطات الاحتلال خلال النصف الأول من هذا العام بدراسة وتمرير أكثر من 110 مخططات هيكلية لتوسيع المستوطنات والموافقة على عشرات آلاف الوحدات السكنية الجديدة، وفي مقدمتها الدفع بمشروع "E1" شرقي القدس لعزل المدينة وتدمير أي تواصل جغرافي، بالتوازي مع شرعنة عشرات البؤر العشوائية وتحويلها إلى مستوطنات قائمة بذاتها لتثبيت الضم.

إلى جانب ذلك، أدت اعتداءات المستوطنين الممنهجة إلى تهجير ما لا يقل عن 118 تجمعًا سكنيًا ورعويًا فلسطينيًا قسرًا عن ديارهم وموارد مياههم.

أما في قطاع غزة، فتأخذ التداعيات بُعدًا أكثر مأساوية عبر فرض سيطرة عسكرية مباشرة تجاوزت حاجز 70% من إجمالي مساحة القطاع، أي ما يعادل 255 كيلومترًا مربعًا من أصل 365 كم²؛ إذ أقدمت سلطات الاحتلال على تحريك ما يُعرف بـ "الخط الأصفر" قسرًا نحو الغرب، لتلتهم وتضم المزيد من الأحياء السكنية المأهولة ومراكز الإيواء.

ويترافق هذا مع انكماش ديموغرافي حاد وتراجع مفاجئ بنسبة تجاوزت 10% في عدد السكان (من أصل 2.1 مليون نسمة) جراء حرب الإبادة وما أفرزته من حالات الفقد والنزوح والهجرة القسرية، فيما يواصل مئات الآلاف من النازحين العيش في خيام ومراكز إيواء مؤقتة تُجرّدهم من أدنى المقومات الأساسية للبقاء.

فيما طال حجم الدمار الشامل ما نسبته قرابة 90% في البنية التحتية والمنشآت بكافة القطاعات، فقد أسفر عن خروج غالبية المستشفيات عن الخدمة بشكل كامل أو جزئي، وتضرر نحو 95% من المدارس والمؤسسات التعليمية، مما حَرَم أكثر من 200,000 طفل من حقهم في التعليم المنتظم، في مسعى واضح لجعل غزة بيئةً غير صالحة للحياة ودفع من تبقى من سكانها نحو التهجير القسري والنزوح المستمر.