تستمر سلطات الاحتلال الإسرائيلي في تصعيد ضغوطها الميدانية على قرى جنوب نابلس؛ حيث استدعت مخابرات الاحتلال، اليوم الأحد، رئيسي المجلسين القرويين في قريوت وجالود للمثول أمامها في بلدة حوارة، وسط موجة متصاعدة من اعتداءات المستوطنين والاقتحامات العسكرية المتكررة للمنطقة.
وأفاد الناشط في شؤون الاستيطان بشار قروتي بأن استدعاء رئيسي المجلسين المحليين يأتي في سياق سياسة الضغط الإسرائيلية المتواصلة على أهالي القريتين، بهدف شل قدرتهم على التصدي للمستوطنين ومنع أي احتكاكات معهم، في وقت تشهد فيه المنطقة تضييقًا مشددًا يطال السكان وأراضيهم الزراعية.
ضغط وتهديد وترهيب
وأكد رئيس مجلس قروي قريوت، يوسف صادق الحاج محمد، أن استدعاءه من قبل مخابرات الاحتلال يندرج ضمن مخطط التهديد المباشر والضغط على أهالي قرى جنوب نابلس، لمنعهم من الدفاع عن أنفسهم أمام اعتداءات المستوطنين المتواصلة.
وأوضح الحاج محمد لـ "وكالة سند للأنباء" أنه تلقى اتصالات هاتفيًا من ضابط بمخابرات الاحتلال يطالبه بالحضور إلى مركز حوارة في تمام الساعة الحادية عشرة من صباح اليوم الأحد، دون الإفصاح عن الأسباب المباشرة للطلب.
وكشف الحاج محمد عن واقع أليم تعيشه قريتا قريوت وجالود، اللتان تتعرضان لاقتحامات شبه يومية من قوات الاحتلال والمستوطنين على مدار اليوم (في الصباح والظهيرة والمساء)، ما يفرض حالة استنزاف وتوتر دائم تهدد حياة الأهالي وممتلكاتهم.
وأضاف أن قوات الاحتلال تنفذ حملات اعتقال طالت سبعة شبان من قريوت وسبعة آخرين من جالود، مشددًا أن هذه الاعتقالات، بالتوازي مع استدعاء رؤساء المجالس المحلية، تُشكل منظومة ضغط وترهيب تهدف لفرض سياسة الأمر الواقع وإجبار الأهالي على السكوت عن اقتحامات المستوطنين.
ورفض الحاج محمد محاولات الاحتلال تحميل المواطنين مسؤولية التوتر القائم، مؤكدًا أن الاقتحامات والاعتداءات الإسرائيلية هي المسبب الرئيسي والوحيد للمواجهات.
وقال: "لو لم يقتحم الجيش قرانا، ولم يدخل المستوطنون إلى أراضينا، لما حدثت أي احتكاكات"، مجددًا التأكيد على أن المزارعين والسكان يدافعون ببسالة عن وجودهم وأرضهم.
من جانبه، حذر مدير هيئة مقاومة الجدار والاستيطان في وسط الضفة الغربية، محمد مطر، من خطورة الإجراءات الإسرائيلية الراهنة التي تستهدف فرض مخطط الضم الميداني على الأراضي الفلسطينية، عبر منع المواطنين من الوصول إلى حقولهم الزراعية، وتقييد حركتهم، بالتزامن مع اقتلاع الأشجار وتوسيع البؤر الاستيطانية.
وأوضح مطر، في تصريح خاص لـ "وكالة سند للأنباء"، أن سلطات الاحتلال تعكف منذ نحو ثلاثة أعوام على تطبيق مخطط الضم بصورة تدريجية، عبر إجراءات ميدانية خبيثة سحبت بموجبها مساحات واسعة من أراضي القرى وجعلتها خاضعة لسيطرة مشروطة.
وبيّن أن الاحتلال يسعى إلى تكريس سلطته المطلقة على هذه المساحات، بحيث يغدو دخول أصحاب الأرض إليها مرتبطًا بالحصول على "تصاريح وموافقات مسبقة"، في محاولة لسلب الفلسطينيين حقهم الطبيعي في استغلال أرضهم وزراعتها.
واستشهد مطر بما شهدته بلدة قصرة جنوب نابلس خلال العام الماضي كنموذج صارخ لهذه السياسة؛ إذ منعت قوات الاحتلال عدداً من المواطنين من الوصول إلى أراضيهم، لتُقدم في اليوم التالي مباشرة على اقتلاع الأشجار الموجودة فيها.
وأشار إلى تواصله مع العديد من أهالي القرى المجاورة لقصرة (ومنها قريوت وجالود)، حيث نقل عنهم مخاوفهم الحقيقية من تكرار هذا السيناريو في أراضيهم، لا سيما مع استمرار الاعتداءات والقيود المباشرة على حركة المزارعين، وتخوفهم من عقوبات انتقامية تشمل اقتلاع الأشجار أو الحرمان النهائي من دخول الأراضي.
وشدد مطر أن هذه الممارسات تأتي ضمن استراتيجية تفكيك علاقة الفلسطيني بأرضه لتهيئة الظروف للسيطرة الاستيطانية الكاملة، مبينًا أن الخطورة تتعدى الخسائر الزراعية والاقتصادية المباشرة لتشكل تهديدًا وجوديًا يهدف لتهجير المواطنين وتقويض قدرتهم على الصمود.
تأتي الضغوط والاعتداءات المتصاعدة في قرى جنوب نابلس ومختلف محافظات الضفة الغربية متزامنةً مع قفزة غير مسبوقة في وتيرة اعتداءات المستوطنين؛ إذ وثّق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) تسجيل أعلى حصيلة شهرية لهجمات المستوطنين التي أسفرت عن إصابات أو أضرار بالممتلكات منذ بدء التوثيق الأممي عام 2006.
ووفقاً لتقارير "أوتشا"، شهدت الفترة الممتدة من 1 إلى 26 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي رصد 397 هجومًا شنّه مستوطنون، متجاوزةً بذلك كافة الأرقام الشهرية المسجلة سابقًا، وذلك رغم عدم شمول فترة الرصد الأيام الخمسة الأخيرة من الشهر.
وتتركز نسبة كبيرة من هذه الهجمات بالتزامن مع موسم قطف الزيتون؛ حيث وثق المكتب خلال الأسبوع الممتد بين 20 و26 أكتوبر 62 هجومًا استهدفت 49 تجمعًا فلسطينيًا، كان من بينها 38 هجومًا مرتبطًا بصورة مباشرة بالموسم الزراعي.
وأسفرت اعتداءات جيش الاحتلال والمستوطنين خلال الأسبوع ذاته عن إصابة 57 فلسطينياً (بينهم 9 أطفال) في الضفة الغربية والقدس، بواقع 23 إصابة على يد المستوطنين و34 على يد الجيش.
وسُجل سقوط 27 مصابًا في سياق هجمات المستوطنين، من بينهم 18 مزارعًا أُصيبوا خلال اعتداءات طالت قطاف الزيتون.
وامتدت الاعتداءات لتحدث تهجيرًا قسريًا للتجمعات السكانية؛ حيث أدى تكرار الاعتداءات وتشديد القيود في خربة "رأس الأحمر" بمحافظة طوباس شمالي الضفة إلى نزوح 24 عائلة فلسطينية من الرعاة، تزيد عن 94 شخصًا، بينهم 40 طفلًا.
