الساعة 00:00 م
السبت 07 نوفمبر 2026
13° القدس
12° رام الله
12° الخليل
18° غزة
4.25 جنيه إسترليني
4.49 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.55 يورو
3.19 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

المطر في غزة كالقصف.. خوف آخر

حجم الخط
غرق خيام النازحين في غزة
غزة – وكالة سند للأنباء

لم تعد الغيوم التي تتجمع في سماء غزة تحمل المشاعر ذاتها التي اعتاد الفلسطينيون استقبالها بها، ولم يعد صوت المطر يستدعي ذكريات الطفولة، ولا يدفع الناس إلى التقاط الصور ونشر عبارات الترحيب بالشتاء، ولم تعد أولى قطرات المطر مناسبة للتغني بجمال المنخفضات الجوية التي كانت تضفي على المدينة شيئاً من البهجة.

هذه المرة، ثمة من يراقب السماء بقلق، وآخرون يتفقدون أسقف منازلهم المتصدعة، فيما تنشغل عائلات نازحة بتثبيت أطراف خيامها المهترئة، خشية أن تقتلعها الرياح أو تغمرها مياه الأمطار.

إنه المنخفض الجوي الأول في الموسم الشتوي، لكنه يأتي على غزة التي لم تلتقط أنفاسها بعد من حرب تركت خلفها مدناً مدمرة، ومنازل متصدعة، ومئات الآلاف من النازحين الذين لا يملكون مأوى يحميهم من برد الشتاء.

في غزة، لم يعد الخوف مرتبطاً فقط بصوت الانفجارات أو احتمالات تجدد القصف؛ فقد أصبح للمطر أيضاً وقع مختلف، وباتت الغيوم التي كانت تبعث الأمل تثير أسئلة قاسية: هل ستصمد الخيمة؟ هل سيتسرب الماء إلى فراشنا؟ هل سينهار السقف فوق رؤوسنا؟ وأين سنذهب إذا غمرت المياه المكان؟

مطر كان يُنتظر بشوق.. وأصبح يُستقبل بالدعاء ألا يطول.

تبدلت الفرحة رعبا

قبل الحرب، كانت منصات التواصل الاجتماعي في غزة تتحول مع كل منخفض جوي إلى مساحة للفرح والتفاعل؛ صور الغيوم، ومقاطع صوت المطر، وعبارات الترحيب بالشتاء، والدعوات بأن يكون موسماً مليئاً بالخير، كانت مشهداً مألوفاً يتكرر كل عام.

لكن الحرب بدّلت هذه الصورة؛ فالعائلات التي تعيش اليوم داخل الخيام لا ترى في المطر مجرد ظاهرة طبيعية، بل خطراً يهدد ما تبقى لديها من مقتنيات بسيطة.

هناك، في مخيمات النزوح، لا توجد أسقف إسمنتية تحجب المياه، ولا نوافذ محكمة تمنع تسرب الرياح، ولا أرضيات عازلة تحول دون وصول المياه إلى الأغطية والملابس، ثمة شوادر مهترئة، وأرض رطبة، وفُرش قليلة، وأطفال يحاولون النوم وسط البرد.

بالنسبة إلى هذه العائلات، لا يتعلق الأمر بالانزعاج من ليلة ممطرة، بل بالخوف من خسارة ما تبقى من ممتلكاتها، ومن أن تجد نفسها في العراء بعدما تغرق خيمتها أو تتطاير بفعل الرياح.

وتصبح معاناة الأطفال أكثر قسوة؛ فبدلاً من أن يكون المطر مناسبة للعب والمرح، يتحول إلى سبب لبكائهم وارتجافهم، بينما يحاول الآباء والأمهات حماية أجسادهم الصغيرة بما تيسر من ملابس وأغطية.

منازل لم تعد تحمي أصحابها

وعلى الجانب الآخر، يعيش آلاف الفلسطينيين مأساة مختلفة داخل منازل تضررت بفعل القصف، لكنها لا تزال تؤوي أصحابها الذين لم يجدوا بديلاً عنها.

جدران متشققة، وأسقف مهددة، وأجزاء آيلة للسقوط، ونوافذ وأبواب لم تعد قادرة على منع الرياح والمياه، ومع اشتداد المنخفضات، تتحول هذه المنازل إلى مصدر قلق دائم لسكانها.

هؤلاء لا يملكون ترف الاختيار بين منزل آمن وخيمة غير مريحة؛ فهم عالقون بين خطرين، البقاء في مبانٍ قد تنهار، أو مغادرتها إلى أماكن لا توفر الحد الأدنى من الحماية.

ولعل أكثر ما يختصر هذه المأساة أن الفلسطيني في غزة بات يخشى المطر لأنه لا يملك سقفاً آمناً تحته، ويخشى الرياح لأنه لا يملك جدراناً صلبة تحميه، ويخشى البرد لأنه لا يملك ما يكفي من الأغطية والملابس.

شتاء يكشف عمق الكارثة

وتعكس الأرقام حجم المخاطر التي يواجهها سكان القطاع مع بداية الموسم الشتوي، فوفق معطيات لجنة طوارئ الشتاء في غزة، هناك نحو 200 ألف خيمة مهترئة تؤوي مئات الآلاف من النازحين، ونحو 7800 خيمة تقع في مناطق خطرة، إضافة إلى قرابة 2000 مبنى متصدع ومهدد بالانهيار.

وتتضاعف المخاوف في ظل تدمير مساحات واسعة من البنية التحتية، وتضرر قدرات البلديات والدفاع المدني، ونقص المعدات والآليات اللازمة للتعامل مع تجمعات المياه وعمليات الإنقاذ.

وهكذا، يدخل الغزيون الشتاء وسط ظروف استثنائية، لا تتوافر فيها مقومات الحماية الأساسية، فيما تبدو الاستجابة الإنسانية دون حجم الاحتياجات والمخاطر المتوقعة.

التفاصيل الصغيرة سرقت

ليست المأساة في غزة أن الناس فقدوا منازلهم وممتلكاتهم فقط، بل إن الحرب امتدت إلى تفاصيل حياتهم الصغيرة، وانتزعت منهم مشاعر اعتادوا أن يعيشوها بصورة طبيعية.

فالمطر الذي كان يوقظ في نفوسهم ذكريات جميلة، أصبح يوقظ مخاوف دفينة، والشتاء الذي كان مناسبة للتجمع العائلي حول النوافذ ومراقبة الغيوم، بات موسماً تتوزع فيه العائلات بين البحث عن مكان جاف، ومحاولة إنقاذ الأغطية، والخوف على الأطفال من البرد.

حتى الدعاء الذي كان يرافق نزول المطر طلباً للخير والبركة، بات يحمل في طياته رجاءً آخر: ألا يغرقنا المطر، وألا تقتلع الرياح خيامنا، وألا تنهار جدران منازلنا.

إنها واحدة من أكثر المفارقات قسوة في حياة الغزيين اليوم؛ أن يصبح المطر الذي لا يملكه الإنسان ولا يتحكم في موعده مصدر تهديد، وأن يتحول الشتاء من فصل للبهجة إلى معركة يومية جديدة من أجل البقاء.

في غزة، لم يعد الناس يطلبون شتاءً جميلاً، ولا مطراً غزيراً، ولا منخفضاً يحمل الخير للأرض.. كل ما يريدونه سقفاً لا يسقط، وخيمة لا تغرق، وغطاءً يدفئ أطفالهم، وليلة تمر دون خوف.

فقد سرقت الحرب منهم بيوتهم وأحلامهم وأمانهم، وها هي الأمطار تكشف أن ما تبقى لهم من الحياة بات هشّاً إلى درجة أن قطرة ماء قد تتحول إلى مأساة.