لم تقتصر تداعيات المنخفض الجوي الذي يضرب قطاع غزة على غرق خيام النازحين وتجمع مياه الأمطار في الشوارع، بل امتدت إلى انهيار أسقف وجدران ومبانٍ سكنية متضررة بفعل القصف الإسرائيلي، وسط تحذيرات من مخاطر انهيارات جديدة مع استمرار هطول الأمطار وتشبع الأبنية بالمياه، في ظل غياب أماكن الإيواء الآمنة ونقص إمكانات الاستجابة.
ومنذ فجر اليوم السبت، سُجلت أربعة انهيارات في مدينة غزة ومخيم البريج وسط القطاع، شملت أسقف مبانٍ سكنية وحائطاً ومنزلاً، فيما تضررت منازل مجاورة لأحد مواقع الانهيار، دون تسجيل إصابات في معظم الحوادث.
وفي مدينة غزة، انهار سقف داخل عمارة القادسية، بجوار حلويات النجمة وسط المدينة، كما انهار سقف آخر في حي الزيتون بالقرب من مدرسة الهدى، حيث تمكنت طواقم الإنقاذ من إخراج شخص عالق بصحة جيدة.
وانهار حائط من عمارة اسطنبول في شارع الثلاثيني جنوبي المدينة، دون وقوع إصابات، وفي مخيم البريج، انهار سقف منزل يعود لعائلة علاء خريس في محيط مفترق خريس بمنطقة بلوك 12، ما تسبب بأضرار في منازل مجاورة، دون تسجيل إصابات.
ولم تكن هذه الحوادث الوحيدة التي شهدها القطاع خلال المنخفض؛ إذ انهار مبنى مكون من أربعة طوابق في شارع المحكمة الشرعية وسط مدينة غزة، بعدما تفاقمت تصدعاته السابقة بفعل الأمطار.
وانهار جزء من بناية سكنية في مخيم النصيرات، وتم إجلاء مواطنين منها دون إصابات، وفي شمال القطاع، أُصيب مواطنان جراء انهيار حائط مبنى متضرر سابقاً من قصف الاحتلال الإسرائيلي.
مبانٍ متصدعة تحت الأمطار
وتعيد هذه الانهيارات تسليط الضوء على المخاطر التي تهدد المباني السكنية المتضررة من القصف الإسرائيلي، والتي يضطر مواطنون إلى الإقامة داخلها رغم تصدع جدرانها وضعف أساساتها، في ظل الدمار الواسع الذي طال المساكن ونقص البدائل المتاحة للنازحين.
وكان الدفاع المدني في قطاع غزة قد حذّر من البقاء داخل المنازل والمباني المتصدعة والآيلة للسقوط، داعياً السكان إلى الابتعاد عن الجدران المتشققة وعدم نصب الخيام بمحاذاتها، خشية انهيارها بفعل تشبعها بمياه الأمطار والرياح المصاحبة للمنخفض.
وتتضاعف خطورة هذه الظروف مع محدودية قدرة طواقم الإنقاذ على التعامل مع الحوادث المتزامنة، نتيجة تدمير جزء كبير من المعدات والآليات خلال الحرب، ونقص الوقود وقطع الغيار والمستلزمات اللازمة لعمليات الإنقاذ وشفط المياه.
غرق عشرات آلاف الخيام
وبالتوازي مع انهيارات المباني، تسببت الأمطار الغزيرة بأضرار واسعة في مخيمات النزوح ومراكز الإيواء.
وأعلن المكتب الإعلامي الحكومي، غرق نحو 70 ألف خيمة في قطاع غزة خلال الساعات الـ12 الأولى من تأثير المنخفض.
وقدّر المكتب الخسائر المادية الأولية بنحو ثلاثة ملايين دولار، مشيراً إلى انهيار عشرات الجدران ووقوع إصابات متفاوتة.
من جهته، أعلن الدفاع المدني تلقي أكثر من 1500 نداء استغاثة من عائلات تضررت خيامها ومراكز إيوائها في مختلف محافظات القطاع، في وقت تواجه فيه طواقمه صعوبات في الاستجابة بسبب نقص المعدات والآليات المخصصة لشفط المياه.
وفي مدينة غزة، قالت البلدية إن كمية الأمطار التي هطلت منذ ليلة الجمعة وحتى ظهر اليوم السبت، بلغت نحو 60 مليمتراً، أي ما يعادل قرابة 15% من المعدل السنوي.
وأشارت إلى تجمع المياه في مناطق منخفضة وغرق مواقع عدة، نتيجة الدمار الواسع في البنية التحتية ونقص الآليات والمعدات اللازمة لتصريف مياه الأمطار.
أزمة تتفاقم مع دخول الشتاء
وتأتي هذه التداعيات في وقت يعاني فيه قطاع غزة أزمة حادة في توفير المأوى، إذ قال مدير المكتب الإعلامي الحكومي إسماعيل الثوابتة، في تصريح سابق، إن أكثر من 60% من خيام النازحين متهالكة، وإن نحو 162 ألف خيمة من أصل 270 ألفاً باتت غير صالحة للاستخدام.
وأكدت المتحدثة باسم وزارة التنمية الاجتماعية عزيزة الكحلوت أن نحو 52 ألف أسرة، تضم أكثر من مليون شخص، بحاجة إلى تدخلات عاجلة، وأن القطاع يحتاج إلى نحو 300 ألف خيمة و300 ألف شادر لتلبية الحد الأدنى من احتياجات الإيواء.
ولا تقتصر الأزمة على الخيام، إذ حذّر نائب رئيس اتحاد بلديات قطاع غزة ورئيس لجنة الطوارئ جنوبي القطاع علاء الدين البطة من وجود أكثر من ألفي مبنى متصدع، يضم ما يزيد على 40 ألف شخص معرضين لخطر الانهيار، في ظل ضعف إمكانات البلديات وطواقم الأشغال.
تحذيرات أممية
وعلى المستوى الأممي، حذّر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا"، من أن الأمطار الغزيرة وغرق أماكن الإيواء يعرّضان العائلات النازحة، خصوصاً المقيمة في المناطق المنخفضة والمباني المتضررة، لمخاطر مباشرة.
وأشار المكتب إلى أن غالبية سكان القطاع، البالغ عددهم نحو 2.1 مليون نسمة، ما زالوا نازحين، وأن كثيرين يعيشون في خيام متهالكة لا توفر حماية كافية من الظروف الجوية، في ظل نقص مخزونات المساعدات والقيود المفروضة على إدخال المستلزمات الإنسانية.
وطالب "أوتشا" بتسهيل إدخال مستلزمات الشتاء والآليات الثقيلة وقطع الغيار والوقود، لتمكين الجهات المحلية من التعامل مع تجمعات المياه ومخاطر الانهيارات وتوفير الحد الأدنى من الحماية للنازحين
ومع استمرار المنخفض الجوي، تتسع المخاوف من أن تتحول الأمطار إلى عامل إضافي يهدد حياة سكان القطاع، لا سيما المقيمين في مبانٍ أضعفتها الغارات الإسرائيلية، أو في خيام لا تصمد أمام تدفق المياه والرياح، بينما تبقى الاستجابة محدودة بفعل تدمير البنية التحتية ونقص الإمكانات وغياب المأوى البديل.
