google-site-verification=DJEuzey_RbsNz66VcwLuoL_mjdHWrCK8LLP4fg_HSGk

تحليل اغتيال "زاده".. إيران بين الرد "الواجب" والحسابات "المُكبّلة"

حجم الخط
5fc4b7c74c59b729157f3a29.jpg
طهران - وكالة سند للانباء

شكل اغتيال العالم الإيراني فخزي زاده في قلب العاصمة الإيرانية طهران ضربة أمنية واستخباراتية لإيران التي سارعت إلى اتهام جهاز الموساد الإسرائيلي بالمسؤولية الرئيسية عن العملية.

إلا أن هذا الاستهداف ينظر إليه سياسياً بأهمية كبيرة لاسيما وأنه جاء متزامنًا مع متغيرات إقليمية تتمثل بإمكانية أن يعمل الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن بإحياء الاتفاق النووي بين إيران والدول الغربية.

وفي حين تعكس هذه العملية رغبة إدارة ترامب وإسرائيل في عرقلة جهود إحياء الاتفاق النووي، تحاول مراكز الأبحاث وضع سيناريوهات لاحتمالية أن يؤدي اغتيال العالم الإيراني إلى استدراج إيران نحو ردود واسعة تؤدي إلى إنهاء الاتفاق النووي.

لكن إلى أي مدى يعد هذا السيناريو محتملاً في ضوء الرغبة الإيرانية العودة للاتفاق الإيراني بما يمنحها قبلة حياة اقتصادية؟.

ماذا تريد إسرائيل وأمريكا

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي اللبناني أمين حطيط بأن إسرائيل تبتغي من وراء هذه العملية تحقيق أحد أمرين:

ويشير في حوار أجراه مع مراسل "وكالة سند للأنباء" إلى أن الأول يتمثل في الإجهاز على عالم نووي يعتبر الرئيس الفعلي الميداني والعملي للمشروع النووي الإيراني، وينسب إليه الإبداعات الكبرى، والتطوير الذي لحق بالمشروع.

 وبالتالي بدل أن تلجأ إسرائيل إلى قصف المركز النووي والإنتاج قصفت المنتج نفسه، حسب تعبير "حطيط".

الأمر الثاني هو العمل على استدراج إيران لوضعها أمام خيارين: الأول إما أن ترد وعند ذلك قد تتدحرج الأمور وتقطع الطريق على الرئيس الأمريكي المقبل جو بايدن في إحياء الاتفاق النووي الإيراني. 

فيما الخيار الثاني ألا ترد على عملية الاغتيال التي تمت في قلب العاصمة طهران، وبالتالي تكون أمريكا وإسرائيل خرجتا منتصرتين من إزاحة عالم نووي كبير. 

ووفقاً للخبير "حطيط" فإنه وفي كلا الوضعين السابقين فإن الأمر لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل؛ لأن العملية تمت وفق المخطط، من وجهة نظر الخبير.

هل هو تحول؟

ولا يعتقد الخبير العسكري والاستراتيجي أن اغتيال العالم الإيراني يشكل تحولاً في السياسة الإسرائيلية مطلقًا تجاه الملف النووي، ويرى أن إسرائيل ملتزمة بسياسة استراتيجية الاغتيالات وتاريخها قديم في ذلك.

ويستدل في هذا الصدد بأن إسرائيل بواسطة جهاز الموساد الإسرائيلي في عام 1948م، نفذ عملية اغتيال ضد مبعوث الأمم المتحدة إلى فلسطين.

ويشدد على أن إسرائيل ترفض تنفيذ الاتفاق النووي بين إيران والدول الغربية وترفض وجود واشنطن فيه وتحاول بشتى الطرق أن تقطع الطريق على بايدن من العودة إلى هذا الملف، ولذلك خططت لهذا الاغتيال.

فوائد إيران من الاتفاق 

مدير مركز التحليل الاستراتيجي والسياسي في روسيا دينيس كوركودينوف يدعم رؤية سابقه ويؤكد أن إسرائيل أرادت من وراء اغتيال العالم النووي قطع الطريق على عودة إيران للاتفاق النووي.

ويشير "كوركودينوف" في حوار مع "وكالة سند للأنباء" إلى أن إسرائيل لجأت إلى عملية الاغتيال؛ لأنها ترى في الاتفاق تعزيز لموقع طهران الإقليمي على الساحة الدولية الذي سيؤدي في نهاية الأمر لتطوير مزيد من الأسلحة النووية.

وهذا يعني أن الاتفاق سيمنح إيران القدرة على إملاء الشروط في الشرق الأوسط وتوسيع نفوذها، ما سيجبر دول الخليج العربي للعودة إلى التعاون مع إيران، وهو ما لا ترغب به إسرائيل وفقاً لـ "كوركودينوف".

ويقول الخبير، "التخوفات الأمريكية الإسرائيلية من صعود إيران جعلت جهاز الموساد الإسرائيلي يقدم على اغتيال عناصر النخبة الإيرانية قاسم سليماني ومحسن فخري زاده؛ لإجبارهم على التخلي عن أي مفاوضات مع واشنطن بشأن الاتفاق النووي الإيراني.

ويشدد ضيف "سند"، على أن إسرائيل وإدارة ترامب لا يمكن أن تسمح لإيران والولايات المتحدة باستئناف مشاركتهما في الاتفاق النووي.

ويشير إلى أن اغتيال "زاده" سيقود إسرائيل إلى استنتاج مفاده أي تنفيذ عمل مستمر ضد النخبة الإيرانية سيكون الأداة الرئيسية لتحقيق الهدف الاستراتيجي المتمثل بإجبار إيران على التخلي عن الاتفاق النووي.

حسب رأي "كوركودينوف" فإن تنفيذ هذا السيناريو بالنسبة لإسرائيل غير مفيد على الإطلاق؛ لأن إيران لديها نفوذ في المنطقة وتحيط بإسرائيل من كل الجبهات في الشرق الأوسط، وبالتالي أي رد من إيران وحلفائها قد يشكل تهديدًا حقيقيًا لإسرائيل.

متغير السياسة الأمريكية 

وفي هذا الصدد يعتقد أستاذ العلوم السياسية في جامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة الأمريكية، د. إيران كنعان أن طهران لن ترد ولا بأي شكل من الأشكال على عملية اغتيال العالم الإيراني.

ويُرجع السبب إلى أن إيران ستنتظر وصول "بايدن" إلى البيت الأبيض، بما يساعد على إنقاذ الاتفاق النووي ورفع العقوبات عنها، بما يساهم على إنعاش اقتصادها، واستقطاب المستثمرين الأجانب إليها، وبناء البنية التحية والانفتاح على العالم الخارجي.

ويرى "كنعان" في حوار أجراه مع مراسل "وكالة سند للأنباء" أن "بايدن" سيعيد تطبيق الاتفاق النووي، مع إضافة تعديلات خفيفة عليه، وسيرفع العقوبات المفروضة على طهران.

ويشدد على أن أمريكا لا تريد توجيه أي ضربة إلى إيران، وإنما هدف "ترامب" من وراء اغتيال "زاده" تقديم هدية لإيران قبل مغادرته للبيت الأبيض.

ومن هنا يرى "كنعان" أن استهداف العمق الإيراني لن يجني أي فوائد لإدارة ترامب بل سيزيد الأمور تعقيدًا.

أما إسرائيل؛ فداخلياً أراد رئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو الاستفادة داخليًا لكسب أصوات المتشددين وبالتالي يطول عمره الرئاسي أكثر، وخارجيًا محاولة استرضاء للسعودية لجرها إلى تطبيع كامل على غرار الإمارات وغيرها من الدول.

وحسب "كنعان" فإن إسرائيل أرادت توجيه ضربة استباقية إلى طهران قبل تغير السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط بالكامل في ظل اتجاهات "بايدن" نحو إعادة النبض للاتفاق النووي الإيراني،

القدرات الإيرانية

وبخلاف التحليل أعلاه، فإن اتجاهًا آخر يميل إلى أن الأمر يتجاوز دائرة توجيه الرسائل إلى طهران، وإنما يأتي في سياق محاولة إسرائيل إعاقة تطوير القدرات الإيرانية.

ويقول الباحث المختص في العلاقات الدولية عبد الله عقرباوي من قطر، إن إسرائيل تريد فرض معطيات جديدة أمام "بايدن" والمفاوضين الدوليين.

ويضيف لـ "وكالة سند للأنباء" أن عملية الاغتيال إشارة من إسرائيل بأنها ترفض العودة للاتفاق النووي، وأن لديها خيارات أخرى في التعاطي مع الملف النووي الإيراني وستكون مطروحة دومًا.

من وجهة نظر "عقرباوي" فإنه ورغم أن الاستهداف نوعي وقد يؤثر مرحليًا على مشروع إيران النووي، إلا أنه من غير المتوقع أن تشهد السياسة الإيرانية تجاه الاتفاق النووي أي تحولات في حال رغبة إدارة "بايدن" العودة للتفاوض حوله.

ويتوافق تحليل "عقرباوي" مع استشراف الباحث والأكاديمي الفلسطيني أحمد حسين لتداعيات اغتيال العالم الإيراني الذي يشدد على أن اغتيال "زادة" لا يعكس تغيرًا في سياسة إسرائيل تجاه إيران.

ويوضح "حسين" مقصده في أن إسرائيل ستعمل على استثمار أي تغيير في الإقليم؛ لإضعاف إيران من خلال مسارين: الأول عبر استغلال علاقاتها مع إدارة ترامب، والمسار الثاني، محاولات بناء تحالف جديد مع دول عربية كالإمارات والبحرين والسودان عنوانه العداء لإيران.

ويعتقد المختصان أن إسرائيل تريد تعقيد العلاقة بين واشنطن وطهران على نحو يجعل من الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة بايدن تواجه إشكاليات على نحو مختلف قبل أن تتوجه لإعادة إحياء الاتفاق النووي.

سيناريوهات التعامل الإيراني

ورغم عملية الاغتيال إلا أن كثيرين يتوقعون أن يكون الرد الإيراني مضبوطًا بمحددات سياسية مرتبطة بالوضع الداخلي الأمريكي ووصول جو بايدن إلى البيت الأبيض.

وفي هذا السياق يرى الخبير الأمني والاستراتيجي "حطيط" أنه لا يمكن لطهران إلا أن تتعامل بأقصى درجات الجدية والأهمية تجاه عملية اغتيال العالم الإيراني حتى تحقق ما تريد.

ويعتقد أن الرد سيكون في عدة مستويات: الأول، المستوى الأمني من خلال البحث عن الثغرة الأمنية التي نفذت منها إسرائيل، والمستوى الثاني عبر التعامل مع وكالة الطاقة النووية والبحث في كيفية تطبيق ما تبقى من الاتفاق النووي الإيراني.

 أما المستوى الثالث فهو الخيار الأمني والعسكري والذي يُتوقع أن تؤخره إيران وفقاً لظروف الميدان والقدرات ومعايير التناسب والضرورة التي تضبط حركة الصراع؛ لأن الأمر معقد، وإيران عليها أن تأخذ وقتًا كافياً من أجل ألا تخطو خطوة ناقصة في هذا الموضوع.

وهنا يرى "عقرباوي" أن رد الفعل الإيراني سيخضع لمعيارين: الأول، ضرورة الرد على جريمة الاغتيال وهذا يخضع للظروف الأمنية والاستخباراتية وطبيعة الهدف وشكل الرد.

والمعيار الثاني، هو مراعاة الظرف الانتقالي في الولايات المتحدة الأمريكية وتفويت الفرصة على إدارة ترامب للقيام بردود فعل خشنة في حال كان الرد الإيراني مباشر وسريع.

أما المختص "حسين" فيتوقع أن ترد إيران بنفس الأسلوب والتكتيك عبر استهداف إحدى الشخصيات العلمية أو العسكرية الإسرائيلية أو الأمريكية في دول أخرى.

وينوه إلى إيران قبل ذلك نفذت عملية اغتيال ضد ضابط في وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) الذي قتل في مواجهات في الصومال دون أن تكشف تفاصيل مقتله، وتكتمت على الموضوع.

مستقبل الاتفاق النووي

وبشأن مستقبل الاتفاق يقول الخبير حطيط، إن الاتفاق سيكون أمام سيناريوهين، الأول السقوط الكلي بعد أن تلمس إيران أن هناك مناورات أجنبية غربية لتأخذ منها كل شيء ولا تعطيها شيء ضمن سياسة إبقاء العقوبات.

والسيناريو الثاني إحياء الاتفاق شريطة أن ترفع العقوبات كلها التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مرحلة أولى، وفي مرحلة ثانية تنفيذ ما تبقى من الاتفاق لإزاحة كل العقوبات.

وحسب "حطيط" فإن الأمور الآن مقترنة بإرادتين: الإرادة الأمريكية التي ينبغي أن تخطو الخطوة الأولى ثم الإرادة الإيرانية إذا توفرت الثقة بالأمريكيين لتحقيق ما هو مطلوب.

ويتفق الخبير الروسي "كوركودينوف" مع الخبير "حطيط" ويعتقد أنه يقع على كاهل "بايدن" مسؤولية كبيرة في أن يتخذ خطوات تجاه النظام الإيراني من شأنها إعادة الثقة للمفاوضات، وبالتالي الأمر يعتمد عليه الآن.

لكن ومع ذلك يرى "كوركودينوف" أن إدارة ترامب وإسرائيل تشكلان عقبة كبيرة أمام السياسة الأمريكية الإيرانية المستقبلية، وبالتالي من الصعوبة تحديد كيف ستتطور العلاقات بين طهران وواشنطن تحت قيادة جو بايدن.

google-site-verification=DJEuzey_RbsNz66VcwLuoL_mjdHWrCK8LLP4fg_HSGk