حوار خاص..

طارق السويدان "بصمةٌ" لم تكتفِ بالدعوة الإسلامية

حجم الخط
طارق سويدان
الكويت- غزة/ حاورته إيمان شبير

"العقال والشماغ" للوهلةِ الأولى أوحى لي أنني لن أستطيعَ استدراجه إلى ما هو أكثر من "عباراتٍ سطحيةٍ حدّ الجمود"، كتلكَ التي تترددُ في أغلبِ الحواراتِ التلفزيونية، لكنني اجتزت حدودَ المقابلاتِ الرسميةِ، فوجدثُ تواضعًا وإنسانًا حقيقيًّا بمعنى الكلمة.

نشأ في أسرةٍ ليست غنية، وليست علمية، فمنذ طفولته اعتمد على استقلاليته الذاتية التي جعلته قادرًا على صناعةِ ذاتِه واسمِه في المستقبلِ ليكونَ المهندس، والكاتب، والباحث، والمؤرخ، والإعلامي والداعية "طارق السويدان".

وعُرِفَ برحابةِ صدره، وحُبّه الشديد "للإنسان"، وحرصِه على نصرةِ المظلومين في بقاعِ الأرض، فشخصيتُه أنعشت الحياةَ الدعوية، وبرع في التنميةِ البشرية، وأدمن العلم َوالكثيرَ من المفاهيمِ الإنسانية.

كما عُرِفَ بشخصيته المرحة، والمتفائلة، وإيمانِه الكبيرِ بالله -عز وجل-، واهتمامه بالشباب وقدراتهم، وقربه منهم.

وكانت للقضيةِ الفلسطينيةِ صدًى كبير في حياة "السويدان"، فعلاقته مع فلسطين علاقةٌ وثيقة منذ نعومة أظْافره. 

من "الكويت" مكان إقامته إلى "غزة" نقل هاتف "وكالة سند للأنباء" الملامحَ الشخصية والعلمية لحياة "السويدان"، في حوارٍ ثمين وشائق إلى أبعدِ حد.

طارق السويدان (68عامًا)، نشأ في دولةِ الكويت، وهو أكبر إخوته، متزوج وله ثلاث بنات وثلاثة أولاد.

ضيفنا كاتب ومؤرخ وباحث وهو أحد المدربين عالميًا في القيادة والإدارة، حصل على شهادة الدكتوراه في هندسة البترول من جامعة "تلسا" الأمريكية.

يستهل حديثه معنا بالرجوع إلى طفولته، قائلًا: "كُنتُ في طفولتي مُستقلًّا ذاتيًّا، فكنتُ المسؤول عن نفسي، وملابسي، وتعليمي، وعن دراستي أيضًا".

أما والدته فهي شخصية "صابرة معطاءة" كما يصفها قلب ابنها البار، مستكملًا عن أثرها فيه: "تعلّمتُ من والدتي -حفظها الله- الاستقلالية والصمود والكفاح، والتفكير، مُشيرًا إلى أنها "بسيطة التعليم"، إلا أنها صاحبة قدرات عقلية عالية جدًا".

أما زوجته الدكتورة "بثينة"، يبدو صوته ممتنًا أثناء حديثه عنها: "أنا تعلمتُ من "زوجتي"، ولا زلت أتعلم باستمرار، فهي راقية في أخلاقها، وعميقة في دينها، وأكثر شخص ينصحني، وتقف لي بالمرصاد؛ فلولاها لوقعت في أخطاءٍ كبيرة، "فأمُّ محمد" هي أكثر من يصححني حتى لو كان خطأ صغيرا، ف الله -سبحانه تعالى- أكرمني بها".

وبالانتقال إلى علاقته بأبنائه، فقد فضّل د. "طارق" البدء بوصف بناته بالقول: "تعلَّمتُ منهن الجرأة في تصحيحي؛ فهنَّ أيضًا يقفن لي بالمرصاد، ويوجهنني، فعندنهن الاستقلالية الكاملة بتفكريهن".

أما أولاده فتجمعه بهم: "بيني وبين أولادي علاقة وثيقة جدًا بفضل الله تعالى، ثم زوجتي "أم محمد" التي تولت تربيتهم أكثر مني -بارك الله فيها-".

ومن أسس التربية التي انتهجها "السويدان" مع أبنائه هو منحهم مساحة حرية ويُزيد "أنا لا أحدد: "أنا لا أحدد مشاريعًا لأولادي، معتقدًا أنَّ الأولاد ليسوا مِلك الوالدين، وإنما دور الأهل هو دعمهم، وتوجيههم، ومساعدتهم في اختيار ما يقررون لأنفسهم". 

رحلةُ البداية

"إما أن نجد الطريق أو نصنعه"، لم يكن سهلًا على "السويدان" أن يجد الطريق ورديًّا، لذا كان ينبغي عليه أن يصنع الطريق بنفسه!

بطريقته المعتادة في اتزانها يُقول: "إن العوائق الحقيقية التي تواجه كل شخص هي تنبعُ من داخله، فشعور الإنسان بالضعف، أو شعوره بالتوكل على النفس بدلًا من التوكل على الله سبحانه وتعالى هي أصل كل فجوة، فإذا استطاع الإنسان تجاوز هذه المشاكل الداخلية يصبح طريق النجاح ممهدًا له".

"ضيف سند" يواجه صعوبات الحياة بأمرين "ابتسامة الرضا، ثم دعاء الله، بعدها أفتح مساحة التفكير فورًا وما يُمكنني فعله، وما هي إمكانياتي وأُسلّم في كل مرحلة تسليمًا كاملًا لإرادة الله.

برامجه التلفزيونية

طارق2.jpg
 

خلف كل فكرةِ برنامجٍ تلفزيونيّ قصة وعبرة، يسرد "السويدان" قائلًا: إن أول برنامج تلفزيوني لي هو " قصص وعبر"، والعبر التي أوصلتها في البرنامج ولا زلت أوصلها.. كثيرة جدًّا، وأهم عبرة هي أن الإنسان لا يتعامل مع الحياة بدون عِبَر، وإنما يفكر في كل أمر لماذا خلق الله سبحانه وتعالى هذا الأمر!".

عن فكرة برنامجه هذا، يرجع بنا إلى السبب الذي دفعه للانطلاق به، ففي عائلته أحد الأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة، ما يجعله محط شفقة عند الجميع يقول "السويدان": "جمعتهم ذات مرة، وسألتهم عن سبب الشفقة، مع أن هذا الإنسان ضمن الجنّة فهو مرفوع عنه القلم، بينما نحن فالجنة بالنسبة لنا غير مضمونة، وهنا العبرة؛ وعلينا قياس كل أمور حياتنا وفق هذا المنهج".

ويُضيفُ بكلماتٍ من ذهب: "لا تنظروا لأيِّ أمرٍ أن الله -سبحانه وتعالى- خلقه عبثًا؛ وإنما الله خلق كل شيء لحكمة، والإنسان فقط يحتاج لأن يتوقف ويتفكر ويتأمل ليستخرج هذه العبر التي يمكن أن تغيّر حياته".

قيود الحريات

ولأجل أفكاره التي عُرف بها، مُنع "السويدان" من دخول العديد من الدول العربية، لكنّه يُؤكد أن ذلك لم يُوثر على انتشار أفكاره وسهولة وصولها إلى فكِر المتابعين العرب على اختلاف أماكن تواجدهم.

هذا الإنسان الذي لا يعرف لليأس طريقًا، ولا يمّل، في السعي لأجل الفكرة التي يُؤمن بها، اتجه نحو وسائل التواصل الاجتماعي وأثبت وجوده فيها حتى أصبح علمًا يُشار إليه في مواضعٍ كثيرة أهمها نصرة المظلومين والدفاع عن الإسلام من حملات التشويه التي يعترض لها.

وفي السياق يُشير إلى أن عدد المتابعين لحساباته في فيسبوك وتوتير، عند بداية منعه من دخول بعض الدول كان نحو مليون ونصف متابع، وحاليًا يتجاوز الـ 18 مليونًا ونصف. 

وفي سؤالنا له عن أبرز المحددات التي يلتزم بها عندما يختلف مع عالم أو مُفكر أو حتى شخصية عادية، فكان جوابه: "لدي قواعد رئيسية، وهي أن نتعامل مع المخالفين بدون استعمال أسمائهم، فيعني أنني لا أهاجم أي عالم أو مفكّر.. أنا أهاجم الطغاة".
 
ويُكمل: " إن العلماء والمفكرين مهما كان اختلافي معهم لا أذكرهم بالأسماء وحتى الذي يهاجمني بالاسم لا أرد عليه، ولا ألتفت لِمَن يُهاجمني". 

ويُسهب في شرح فكرته: "لو ازداد الهجوم، واتسعت دائرة الاعتراض، أفسح المجال للجميع لقول ما آرائهم، ثم أتبعه بردٍ شاملٍ ومدعم بالحجج دون ذكر لأسماء أحد، ولا أعود للقضية مرة ثانية".


فلسطين الحاضرة دائمًا

طارق3.jpg
 

أما عن فلسطين، القضيّة الحاضرة دائمًا ليس في قلب الدكتور طارق السويدان، فحسب، إنما في صوته الحُر وعلى منصاته، وفي ميزان المقياس عنده، بكلماتٍ يُشعرك بها بحجم الامتنان يصف حُبه لفلسطين: "علاقتي بها علاقة وثيقة جدًّا منذ نعومة أظافري، ونشأتُ في منطقةٍ معظم سكانها فلسطينيون".

وبنظرة الدكتور "طارق"، فإن فلسطين قضية عقيدة، وقضية وقف وقرآن، ولا يمكن للإنسان أن يكتمل دينه وهو لا يناصر "القضية الفلسطينية".

ويزيد:" لا يوجد شعب ظُلِم، ولا يوجد قضية انتُهكت في كُلِّ العالم مثل "قضية فلسطين" وهي من أطول القضايا، وما زالت قضية معاناة مستمرة، شاعرًا أنه جزء من القضية الفلسطينية". 

ماذا عن غزة د. "طارق"؟ عَلت نبرة صوته عند ردّه على سؤالنا: "إنها شرف الأمة، ولولاها الأمة كلها تأثم؛ فالوقوف مع قضية فلسطين "واجب شرعي"، و"فرض كفاية" إذا قام به بعض الأمة سقط عن الباقي، وإنْ لمْ يقم به أحد فالكل يأثم".

وفيما يخصّ حملات الدعم التي انطلقت لإعادة إعمار غزة بعد العدوان الإسرائيلي الأخير، يُؤكد أنها جاءت من الشعب الكويتي، بالاشتراك مع 30 جمعية خيرية في البلاد

ولم يكتفِ ضيفنا بحُب هذه البقعة الجغرافية عن بُعد، فهو خلال السنوات الماضية، حاول زيارة غزة أكثر من مرة، لكنّ العديد من العراقيل حالت دون ذلك، معربًا عن أمله أن يكون بين أهلها ذات يوم. 

وأحبّ ختام حواره معنا، بالإشارة إلى حجم التضامن العالمي والعربي الكبير مع القضية الفلسطينية، وإلى التغيير الجذري في حالة الدعم لا سيما في الآونة الأخيرة.