الساعة 00:00 م
الجمعة 04 ابريل 2025
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
25° غزة
4.8 جنيه إسترليني
5.21 دينار أردني
0.07 جنيه مصري
4.01 يورو
3.7 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

الشهيد محمود السراج.. حكاية صحفي لم تمهله الحرب لمواصلة التغطية

مقتل شرطي بغزة.. غضب واسع ودعوات عشائرية وحقوقية بضرورة إنفاذ القانون

الأسير المقدسي أكرم القواسمي الحاضر الذي غيبته سجون الاحتلال

بالفيديو نابلس في ذكرى المولد النبوي … المدينة التي لا تُشبه غيرها (صورة قلمية)

حجم الخط
المولد النبوي.jpg
أحمد البيتاوي-نابلس-وكالة سند للأنباء

"الاحتفال بذكرى المولد النبوي في نابلس له طعم آخر"، عبارةٌ يُجمع عليها ويرددها قاصدو المدينة من مختلف المناطق الفلسطينية في الضفة والداخل المحتل، من بئر السبع جنوباً حتى صفد شمالاً، مروراً بالقدس وبيت لحم.

في هذا اليوم تتزين المدينة التي يعود تاريخها إلى أكثر من 5600 سنة، وكأنها عروس في يوم زفافها، رائحة البخور ودُخانه ينبعث من جنباتها، ومكبرات الصوت تصدح بالابتهالات الدينية والمدائح النبوية، صدحاً غير مزعج ولا نشاز.

في كل شارعٍ وتفرّعٍ وزُقة، أكوام من حلوى "الملبس" والشوكولاتة تتوسط الحيّز، طفل أو شاب أو شيخ يحث المارة على الصلاة على النبي قبل أن يُضيّفهم، ولا اعتراض على من "كمش" أو اغترف غُرفة بيده ولم يراعِ حدود الضيافة.

استعدادات الاحتفال بهذه المناسبة الرفيعة، تسبق يوم المولد بأيام، التجار يُعلّقون حبال الزينة المتدلية بين محلاتهم المتقابلة، تربطها مع بعضها رباطاً معنوياً، في حين تتكفل طواقم البلدية بإنارة، تلفها على سيقان أشجار النخيل وتمدها بين العمدان.

الصوفيون.. هذا موسمهم

في هذا اليوم يرتدي الصوفيون العمائم الخضراء والدشاديش البيضاء ويشدون أحزمتهم السوداء على خصورهم، يُكحلون عيونهم، ويُهذّبون لحاهم، يخرجون من زواياهم على غير العادة.

يحملون "العِدة" كما يسمونها بالعامية، وهي طبول ودفوف ومزامير وسيوف وبيارق ملونة، حمراء وخضراء وصفراء، تجللها عبارات التوحيد وآيات قرآنية، يشقون الحشود المحتفلة ويجوبون شوارع المدينة، من شمالها لجنوبها، فيما يتدافع الناس لرؤيتهم وكأنه عرض "كرنفال" لا يتكرر.

بلدة نابلس القديمة، محور الاحتفال الكبير وبؤرة الحدث، وساحة باب الساحة التي تتوسطها برج الساعة محور المحور، يضيق المكان بالحشود، حاراتها، ساحاتها، مساجدها، أحواشها، تفتح ذراعيها للزوار، الأطفال أشد سعادة وانبهاراً، فالسكاكر و"البلالين" في كل مكان.

الازدحام في شوارع المدينة سيد الموقف، والاكتظاظ علامة فارقة في هذا اليوم وكأنه ساعات قبل منع التجوال أو وقفة عيد.

أمواج بشرية تضرب شاطئ "جبل النار"، أفواج تخرج من المدينة وأخرى تدخلها، يستمر المشهد على هذا النحو حتى منتصف الليل أو يزيد.

الاحتفال بالذكرى تراه في جميع أنحاء نابلس سواء تلك المحشورة بين جبلي جرزيم وعيبال أو في الحارات والأحياء والمخيمات التي تقع عليهما وحوليهما، وما قبلهما وما بعدهما، وكأنها عدوى وتنافس، أيهم أشد جمالاً وأكثر بهجة.

المحتفلون بالذكرى ليسوا فقط من المسلمين، بل وحتى مسيحيون أتوا من الناصرة ودروز من الجولان وأبناء الطائفة السامرية من فوق جبل الطور المطل على نابلس، يشاركون بالمناسبة، كما يشارك المسلمون في احتفالات بيت لحم في ذكرى رأس السنة ومولد المسيح، اليوم تنعكس الآية.

عبادة وتجارة

ذكرى المولد في نابلس عبادة وتجارة، هو موسم لا يختلف عن العيدين، ليس فقط عند صانعي الحلويات بل وحتى باعة الملابس والخضار والفواكه ومحلات البهارات والمخللات والأفران والمطاعم، وأصحاب الفنادق ما كان منها بخمس نجوم أو من دون أي نجمة، هو حدث يدب الروح في شريان اقتصاد المدينة بعد تجلط وتخثر.

غير أن حلويات نابلس تبقى معشوقة زوار المدينة من خارجها، الكنافة الناعمة والخشنة على رأس القائمة، يزاحمها "الفطير" و"الكلاج" بجبنة وجوز، ولا تبدو البقلاوة بعيدة عن المنافسة، فيما تُطل "حلاوة الزلابية" برأسها وتنادي: نحن هنا، في حين تكتفي العوامة و"الطمرية والبرازق والهريسة وكرابيج حلب" بشرف المنافسة.

الكثير من الحلويات تُوزّع في هذا اليوم بالمجان على المارة، سدور كنافة كبيرة تنزل من عُلوها وتهبط عن رأس أحدهم قبل توزيعها على الناس، تنفد ما إن تَحط بين يدي العامل، يُغرقها بالقطر الساخن، يقطعها بكل خِفة ومهارة، وينادي: روح فلان، فلا تنسوه من دعائكم.

شعرات رسول الله

في هذا اليوم يُخرج عادة القائمون على مسجد الحنبلي الذي يعود تاريخه للقرن السابع عشر، شعرات منسوبة للرسول محمد عليه السلام، وصلت هدية من السلطان العثماني تقديراً لمكانة نابلس الدينية، فمفني الإمبراطورية كان أحد رجالاتها.

 يحتشد مئات المصلين حول القارورة الصغيرة، يتبركون بها ويمسحون بها وجوههم وعيونهم الدامعة، وهي العادة التي ورثها أهل نابلس منذ القدم، غير أن جائحة كورونا حالت دونها هذا العام أيضاً.

أجواء روحانية ممزوجة بصخب هادئ، المشاجرات والمشاحنات والبغضاء تختفي (مؤقتاً) في هذا اليوم، تحل الابتسامة مكان الكشرة، ويتهلل الوجه بدل شد الأعصاب.

في هذا اليوم يتناسى الجيران مشاكلهم، والأقارب جفائهم، والسياسيون خصومتهم، الفتحاويون والحمساويون وحتى اليساريون، كلهم يحتفلون بالمناسبة.