بالصور زهرة ملكية.. شبح التهويد والاستهداف يلاحق "سوسن فلسطين"

حجم الخط
سوسن فقوعة
نواف العامر - وكالة سند للأنباء

لم يقتصر نهب سلطات الاحتلال الإسرائيلي على تراث وتاريخ الشعب الفلسطيني ونسبه زورًا وبهتانا لثقافته وتاريخه المزعوم، فبعد صحن الحمص والفلافل واللباس الشعبي وأسماء الشوارع والحواري المقدسية، بات شبح التهويد يلاحق أزهارًا امتدت جذورها في جبال فلسطين وسهولها على مر التاريخ.

وعلى وجه التحديد، يسلّط التهويد أطماعه على زهرة السوسن "الملكية"، وتنتشر في قرى فقوعة وجلبون قرب محافظة جنين بالضفة الغربية على وجه التحديد، لتكون وهي المنطقة الوحيدة بالعالم التي تنبت فيها الزهرة الفريدة، ليرتبط اسمها بتلك المنطقة وتشتهر باسم "سوسن فقوعة".

و"سوسن فقوعة" هي أحد أنواع السوسن الملكي والتي تعتبر فريدة بنوعها على مستوى العالم، ولا تعيش إلا في هذه المنطقة فقط، لتكون الأولى على مستوى العالم، حيث يشير خبراء البيئة إلى أنها استوطنت في فلسطين منذ التاريخ القديم.

IMG_0038.JPG
 

وبلونها البنفسجي الخلّاب، وأوراقها الطويلة وغير العريضة، وساقها القصير، طبعت صور "سوسن فقوعة" على الشعارات الوطنية الفلسطينية والطوابع والميداليات بعد إعلانها "زهرة فلسطين الوطنية" لتكريسها كعنصر من عناصر التراث الوطني الفلسطيني.

استهداف مبرمج

الباحث البيئي عمر عينبوس يشير إلى "ازدواجية استهداف" زهرة السوسن، مؤكدًا أنها تواجه استهدافًا متعمدًا من الاحتلال، إضافة للجهل المحلي بقيمتها.

ويقول "عينبوسي" لـ "وكالة سند للأنباء": "لا أحد يختلف على حقيقة الاستهداف الاحتلالي المبرمج للسوسنة، خاصة سوسن فقوعة، إضافة للحرائق الناجمة عن أعمال التدريب العسكري في مناطق نموه الطبيعي".

PICT1145.jpg
 

وحول "الجهل المحلي" الذي يشكل خطرا آخر على النبتة يقول الباحث: "إن الزهرة تتعرض للرعي الجائر من الرعاة الفلسطينيين والاقتلاع للأزهار، ناهيك عن قيام الحيوانات البرية كالنيص والغريري والشنار باستهداف بصيلاته وجذوره".

ويلفت "عينبوسي" الضوء إلى وقوع مساحات من أراضي فقوعة وتلالها خلف جدار الفصل العنصري، والتي تعتبر منبتا خصبا للزهرة، إضافة لأجزاء أخرى تقع ضمن حدود الداخل الفلسطيني المحتل.

حارس الزهرة

ومن موطن الزهرة الأصلي، في قرية فقوعة قرب جنين، يتحدث مفيد جلغوم الذي يعد من أبرز حماة السوسن، أن "عملية التلاعب باسم الزهرة جاء عقب إعلان خط الهدنة 1948، ومحاولة نسب الزهرة للكيان الإسرائيلي للإيحاء بارتباط الزهرة بتاريخه".

ويُبين "جلغوم" لـ "وكالة سند للأنباء" أن بداية الاستهداف التهويدي، جاء أثناء الجولات البرية للمحتلين في جبال فقوعة، حيث تم رصد زهرة جميلة تشاهد للمرة الأولى، وكانت قد وردت في الكتب، فشرعوا باقتلاعها لزراعتها وبيعها، وسرعان ما تحولت لمهددة ونادرة.

ويردف أن زهرة السوسن تعرضت لمجزرة خلال عامي 2002-2003 مع بدء بناء الجدار العنصري في جبال فقوعة (موطنها الأصلي)، وتم نقل 3600 شتلة منها لجبل الشيخ برقان، لكنها ماتت بين عامين لعشرة أعوام وهو ما اعتبر مجزرة ثانية لها.

ويسبغ "جلغوم" على السوسن اسم البركة، مضيفًا: "أنه عقب محاولات الاحتلال بناء مستوطنة على جبل برقان، اعترضت ما تُسمى سلطة حماية الطبيعة الإسرائيلية بسبب وجود السوسن، ودفن مخطط إنشاء المستوطنة".

ووفق لـ "جلغوم" فإن الاحتلال يحاول تغيير اسم الزهرة، من سوسن فقوعة إلى "ايروس هجلبوع"، وايروس ترجمة للاسم اللاتيني والعلمي Iris، وجلبوع هو الاسم القديم الكنعاني لجبال فقوعة التي تنمو فيها هذه النبتة.

ويؤكد أن الاحتلال حاول عبر سنوات متعددة "ترسيخ الاسم العبري للزهرة، وأقام لهذا الشأن مسارات في الجبال، ووضع اليافطات الخشبية والحجرية بين أحراش الصنوبر التي زرعها في جبالنا بقصد تغيير المشهد القديم لها من جبال تنمو بها أشجار الخروب والسريس والزعرور والزيتون، إلى مشهد جديد طارئ وهو أشجار الصنوبر والسرو أوروبية المنشأ".

ويُسهب "ضيف سند" أن خبراء التهويد والتنوع الحيوي حاولوا إلصاق اسم "سوسن أريئيل" على أنواع أخرى من السوسن موطنها شمال الضفة، فيما أفشل ناشطون مساعي الاحتلال عبر التغذية المعرفية والمعلوماتية على "ويكيبيديا"، للحفاظ على الزهرة واسمها وموطنها.

وفي إطار محاولاته للحفاظ والدفاع عن السوسن، ينظم "جلغوم" حملات إعلامية وتوعوية للقادمين لبلدته فقوعة، وبخاصة وسائل الإعلام والباحثين وخبراء التنوع الحيوي، كما ينشر على صفحات التواصل الاجتماعي كل جديد عن النبتة المستهدفة لحمايتها والتركيز على تكثيرها والتوقف عن اقتلاعها.

سوسن الناصرة

بدوره، يشير رئيس جمعية الحماية البرية عماد الأطرش لوجود نوع من السوسن يسمى "سوسن الناصرة" و"الشفا غوري" وهو من النباتات المهددة بالانقراض بسبب نقلها من موطنها ومنبتها لمناطق أخرى، وتعرضها لرش المبيدات والتجريف والرعي الجائر وعدم وجود حشرات للتلقيح.

وتحاول سلطات الاحتلال تهويد السوسنة، لكن الجهد الفلسطيني والمؤسسي كان لهم بالمرصاد عام 2017، وتم تثبيت اسم الزهرة الفلسطيني، بحسب ما أورده "الأطرش" لـ "وكالة سند للأنباء".

ويمضي: "في موسم مهرجان الزهرة بفقوعة شارك آلاف المواطنين لترسيخ الحق الفلسطيني بهذه الزهرة، إضافة للعمل على تكثيرها بالبذور، عبر تعاون مع جامعتي العربية الأمريكية، وجامعة النجاح، وهو ما ثبت نجاحه".

وعلى الرغم من وجودها وارتباطها ببلدة فقوعة وجلبون قرب جنين، يلفت خبراء بيئة فلسطينيين لانتشار السوسن في مناطق طوباس، وياصيد واوصرين قرب نابلس، إضافة لتواجدها في بعض من جبال نابلس، وكفر مالك قرب رام الله، والعوجا في أريحا، ومسافر بني نعيم بالخليل.

PICT1144.jpg