ما بين العمل والدراسة.. طلاب ينحتون الصخر أملا بواقع أفضل

حجم الخط
الدراسة والعمل
رنيم علوي – وكالة سند للأنباء

كثيرون من طلبة الجامعات في الضفة الغربية، يضطرون في وقتنا الحالي بسبب سوء الظروف الاقتصادية العامة، إلى الجمع بين الدراسة والعمل بوظائف مختلفة، لتخفيف العبء عن عوائلهم، وتحصيل مصروفهم اليومي، وتوفير أقساطهم الجامعية.

فمع انتهاء الدقيقة الأخيرة لمحاضرته الجامعية، يطوي الشاب أسامة طه كتبه، ويودّع زملاءه على عجل، وينطلق لمكان عمله في أحد المصانع بمدينة رام الله وسط الضفة، تاركًا وراءه شغف عيش الحياة الجامعية بكل تفاصيلها.

وعلى الرغم من طبيعة دراسته للغة الإنجليزية في سنته الثالثة بالجامعة، إلا أنه مضطر للانخراط بالعمل ليتمكن من مواصلة دراسته الجامعية وتأمين مستقبله، وفق ما يورده.

ويقول "أسامة" لـ "وكالة سند للأنباء": "شعور غير طبيعي أن أترك زملائي في نهاية الدوام الجامعي في جو من المرح وأذهب لعملي، أقضي وقتي ما بين المحاضرات والعمل لأعود في المساء منهكًا إلى البيت".

لكنه يرى أن العمل "يُحدث تغيراتٍ على حياة الشاب، إذ يُشعره بالمسؤولية في عمرٍ مبكّر، ويجعله يعلم أن الحصول على الراتب ليس بالأمر السهل"، مستدركًا: "مع ذلك أشتاق لأوقات الفراغ لأشعر ببعض الراحة أو قضاء الوقت مع الأصدقاء".

ويصف الحالة التي يعيشها في ظل العمل والدراسة بـ"الدوران" مضيفًا: "لذا أحاول قدر الإمكان التوزان وتنظيم وقتي، وإلا فإن ضريبة العمل هي إهمال الطالب لمتطلباته الجامعية".

ويتحدث "أسامة" عن أمنيات كل طالب بأن يكون بوضع اجتماعي أفضل، لكن "لا حيلة لنا إلا السعي للوصول إلى أحلامنا"، مؤكدًا أن نسبة كبيرة من طلبة الجامعات يعملون خلال فترة دراستهم، فأقساط الجامعة ومتطلبات الحياة "تُجبرنا كشباب للعمل ليل نهار لنضمن لأنفسنا حياة كريمة".

حلم دفع صاحبه للعمل

لم يختلف الحال كثيراً عند عمر حاج علي (19 عاماً)، من بلدة رمون شمال شرق رام الله، فهو الآخر كان يتطلع لحياة جامعية مستقرة، لكنه اصطدم بواقعٍ صعب يتطلب منه البحث عن خيارات أخرى ليُوفر أقساطه الجامعية.

يستهل "حاج علي" حديثه مع "وكالة سند للأنباء" بالقول "لا أنسى فرحتي عند معرفتي أن معدلي بالثانوية العامة يسمح لي بدخول الجامعة التي أحلم بها، ولم أكن على علمٍ أبداً بما ينتظرني، فكل ما كنت أتمناه هو الانضمام لأفواج بيرزيت".

وبنبرة قهر تسلل لصوته يُكمل: "بسبب ظروف عائلتي الصعبة رفض والدي في البداية طلبي بالالتحاق لجامعة بيرزيت، نظراً للأقساط المرتفعة مقارنة مع خيارات أخرى أخف، لكني هنا قررت الإقدام على خطوة لم تكن ببالي في السابق، وهي العمل لأوفر قسطي الجامعي".

ومع بدء الدوام، التحق "عمر" بالجامعة التي حلم بها، بعد أن تمكن من أخذ سلفة، تزامنا مع إيجاده لعمل في محل لبيع الملابس، براتب يمكنه من توفير قسطه الجامعي، عن ذلك يتحدث: "بدأت دوامي يومها، وقررت العزوف عن عيش حياة المرح والرفاهية التي من المفترض أن يعيشها أي طالب في بداية سنواته الدراسية".

ويقر بالوضع الاقتصادي السيئ الذي تعاني منه غالبية العائلات الفلسطينية، لاسيما بعد جائحة كورونا، ويمضي: "على الشباب أن يتحملوا المسؤولية والاعتماد على النفس، وعدم الاتكال الكلي على أولياء أمورهم".

ويعتبر "ضيفا سند" العمل أثناء فترة الدراسة تحدّيًا كبيرًا لهما، لكنّه في الوقت ذاته فرصة لاكتساب المزيد من الخبرات المهنيّة والحياتيّة.

ورغم الأثر الإيجابي الذي يتركه هذا الخيار على الطالب مستقبلا لدخوله سوق العمل في وقت مبكر، إلا أن حضوره الدراسي يكون مضطربًا، ما يعني تغيبّه عن الحضور، أو تأجيل فصول دراسة، وتراجع معدله التراكميّ.

من داخل مكان عمله في محل لبيع الهواتف النقالة، يقول الطالب الجامعي أمير وائل من بلدة بيت سوريك شمال غرب القدس، إنه يجد صعوبة في تنظيم حياته العلمية والعملية، لتأخره في ساعات العمل بعد جامعته، الأمر الذي لا يمكنه من الدراسة بشكل يومي".

ويُردف لمراسلة "وكالة سند للأنباء": "في أغلب الأيام أعود للمنزل بوقت متأخر، لكني لا أستطيع ترك العمل لحاجتي للمال، ليس لتوفير الأقساط الجامعية فحسب، وإنما لتلبية احتياجات أساسية أخرى في الحياة".

ويلفت "أمير" إلى أنه يُساند والده في إعالة أسرته المكونة من ثمانية أفراد، إلى جانب توفيره لمصروفه اليومي وقسطه الجامعي.

بدورها، توضح الأخصائية النفسية بيهان القميري أن الوضع الاقتصادي السيئ، بالإضافة إلى عدم استقرار الوضع السياسي محلياً وعالمياً هو ما دفع الشباب الفسطينيين لخوض تجارب أكبر من أعمارهم نسبياً.

وتضيف "القميري" لـ"وكالة سند للأنباء": "هذا هو حال الكثير من الشباب الجامعيين الذين يضطرون للعمل تزامنا مع التحاقهم بمقاعد الدراسة، ليحصلوا من خلاله على دخل يساعدهم على مواجهة متطلبات الحياة والنفقات اليومية التي باتت تؤرقهم".

وينصح مختصون نفسيون بأن يكون الشخص مؤهلا نفسيًا وجسديا للجمع بين العمل والدراسة معا، ليُمكنه ذلك من تخطي العقبات التي قد تواجهه كضيق الوقت وعدم التفرغ التام للدراسة.

وبحسب إحصائيات رسمية، يصل تعداد الشباب في فلسطين حوالي 1.16 مليون شاب وشابة من الفئة العمرية 18-29 سنة، بنسبة تصل أكثر من خُمس المجتمع الفلسطيني، في حين تمثل نسبة الشباب العاملين 47%.