أحبّت "الزعتر" وكلبها "فلفل"..

بالصور شيرين أبو عاقلة.. "المتسامحة الاستثنائية" في عيون المقربين منها

حجم الخط
شيرين أبو عاقلة مراسلة قناة الجزيرة
لبابة ذوقان/ إيمان شبير - وكالة سند للأنباء

عَرفتها فلسطين، وأهلها، وحجارتها، وأشجارها، ومقدساتها بمواقفَ وطنية ومهنية مُشرفة، دخلت إلى بيوتنا عبر الشاشة بشخصيتها المتزنة ونبرة صوتها الهادئ الذي لطالما نطق بالحق، وناصر آلام شعبها، أخذت نصيبًا من محبة واحترام كل من تعامل معها، فهي _كما يصفها أصدقاؤها_ تمتلك من الصِفات الحميدة ما يجعلها قريبة من القلوب.

رحل جسد الصحفية شيرين أبو عاقلة (51 عامًا) في الحادي عشر من مايو/ أيار الجاري، وبقي صوتها مدويًّا، وروحها محلّقة فوق سماء فلسطين التي شيعتها بأكبر جنازة عرفها الفلسطينيون على مدار ثلاثة أيام، فحملها المقاوم والعسكري والمدني والصحفي والشاب والنساء، بعد أن حملت قضيتهم على مدار ربع قرن في الميدان.

ولأن الحكاية لم تنتهِ بعد؛ حاورت "وكالة سند للأنباء" في هذا التقرير زملاء صحفيين مقربين لـ "شيرين"، مستذكرين صفاتها ومواقف جمعتهم سويًا، وأثبتت فيها الراحلة "إنسانيتها، وتواضعها، وحبها الكبير للحياة وللناس".

حصّة الغائب!

"إنسانة لا تنسى أبدًا، صاحبة قيم ومثل عليا استثنائية لا يحملها الكثير من الناس"، بهذه الكلمات بدأ زميل وصديق شيرين المقرّب محمد دراغمة مدير مكتب فضائية "الشرق" بمدينة رام الله وسط الضفة الغربية حديثه عن صديقته الراحلة.

يتابع "دراغمة": "كنا كأصدقاء مقربين من شيرين نتساءل عن سبب هذه الصفات، هل هي القيم المسيحية التي تربّت عليها شيرين، قيم المسيح عليه السلام، وهي التسامح والسمو فوق الآلام والواقع؟".

هذه الإنسانة لا يُمكن أن تذم أحدًا أو تُشارك في "أي نميمة" عليه مهما ساءت صفاته، فكان أصحابها يُسمونها "حصّة الغائب" ماذا يعني؟ يرد "محمد": "دائمًا ما تنصحنا ابحثوا عن الصفات الحميدة بالإنسان، تجدها دائمًا في حالة تصالح مع الناس والمجتمع بصرف النظر عن أي مساوئ".

وشارك "دراغمة" الراحلة شيرين أبو عاقلة، في الكثير من التغطيات المحلية إضافة للعديد من رحلاتها وسفرها لمؤتمرات دولية ومنتديات إعلامية مختلفة.

يستذكر تغطيته لحصار الرئيس الراحل ياسر عرفات في مقر الرئاسة بمدينة رام الله وسط الضفة الغربية: "في تلك الفترة أمضيت مع شيرين ساعات طويلة جدا، أصبحنا كالعائلة".

حزن مضاعف!

بعد تنهيدة بثّ فيها شيئًا من الألم، يتحدث عن رحيلها: "بكيت شيرين أكثر من بكائي عند وفاة أخي الشاب، ربما لأني كنت أقضي معها كزميلة وصديقة أوقاتًا أطول مما أقضيه مع عائلتي".

وفي آخر تواصل معها قبل يومين من استشهادها، يقول: "نشرت صورة على صفحتي برفقة الزميلة نداء إبراهيم مراسلة الجزيرة الإنجليزية، فعلقت شيرين مباشرة "منورين أصدقائي تفضلوا عنا على جنين"، هاتفتها بعدها واتفقنا أن نلتقي عند عودتها من جنين".

روحانية "شيرين"..

وفي علاقتها مع زملائها تلعب "شيرين" دور الأخت لمن هم في جيلها، والأم لمن أصغر منها، والابنة لمن أكبر منها، وفق ما وصفها "دراغمة".

يعرف ضيفنا صديقته أيضًا بـ "روحانيتها وتدينها" مسهبًا: "كانت تقرأ الإنجيل باستمرار، ولديها مسبحة في حقيبتها، لقد كان لها علاقة روحانية مميزة مع الله".

شيرين أبو عاقلة.jpg
 

وعن مشاركتها لزملائها وأصدقائها المسلمين في مناسباتهم الدينية والأعياد يُتابع حديثه: "كانت شيرين تقول راح يزيد وزني برمضان"، في دلالة على كثرة مشاركتها لأصدقائها وزملائها المسلمين في موائد الإفطار، كما أنها تُحبّ أن تكون حاضرة إلى جانبهم في الأعياد وكأنها جزء من العائلة.

رحلة الوداع..

مؤخرًا تمكنت "شيرين" من الحصول على إجازة عمل لأكثر من شهر، حيث سافرت خلالها لأمريكا وزارت عائلتها الممتدة والمشتتة في عدة ولايات _تبعًا لدراغمة_، وفور عودتها من السفر التقت بأصدقائها إذ كانت ترى فيهم "عائلتها الثانية"، وكأنها "كانت في رحلة وداع لمن تُحبهم".

في عيون خديجة بن قنة..

"يكفي للعالم أن يسمع فقط اسم شيرين ليعرف مَن هي، ليست المراسلة التي يمكن أن نجد مثلها بسهولة، خبرة متراكمة من المهنية والاحترافية والإنسانية"، بتلك الكلمات بدأت الإعلامية في قناة الجزيرة خديجة بن قنة حديثها عن الراحلة.

وبصوتٍ شجي تُجيب على سؤال "وكالة سند للأنباء" "ما الذي يُميز الشهيدة شيرين؟": "تميزت بحبها لفلسطين وقضيتها، وحضورها الدائم أمام الشاشة، لنقل صوت شعبها وآلامه وصموده إلى العالم بمهنية وكرامة عالية".

شيرين وخديجة 2.jpg
 

وتصف "بن قنة" استشهاد "شيرين" بـ "موتة عِز"، مؤكدةً أنها "حظيت بالشموخِ في رحيلها، وأن العالم من كل أنحائه شارك في الحزن والتنديد والشجب، ولأن رسالتها في حياتها كانت لأجل الإنسان فوق أي اعتبار، جاء موتها ليُوحد الجميع".

وفي معرض حديثها عن المواقف التي لا تنساها لـ "شيرين" تتحدث: "غطّت معي عبر الهواء مباشرة حدثًا من الساعة العاشرة صباحًا وحتى الخامسة مساءً بشكلٍ متواصل، كنتُ جالسة على كرسي تحت التكييف، بينما هي في الميدان تتابع الحدث بدون أكل أو شرب أو حتى استراحة، لقد كانت متفانية في عملها ومخلصة بإنتاج التقارير على أكمل وجه".

خديجةة.jpg
 

وتزيد "بن قنة": "عايشتها ربع قرن خلال العمل وخارجه، كانت سندًا لي عندما سافرت إلى فلسطين خمس مرات، فكانت معي دائمًا، وترافقني أينما كنت، وتُساعدني كلّما احتجتُ إلى ذلك".

ووفاءً لزميلتها، ختمت "ضيفة سند" حديثها بمطالبة قناة الجزيرة الفضائية وكافة القنوات العربية، بمقاطعة الضيوف الإسرائيليين "فالجميع لا يريد للرواية الإسرائيلية أن تُنقل للعالم لأنها مزيفة وباطلة".

"شيرين" المتواضعة

"متواضعة جدا".. العبارة التي ترددت على لسان كل من التقاها، وعن قرب يحدثنا مراسل وكالة الأناضول التركية برام الله محمد غفري، قائلًا: "شيرين شخص متواضع جدا، محبّة للجميع، تحب المزح ولديها روح الفكاهة، لكن وقت العمل هي جدية وتركز على أدق التفاصيل".

ويسرد "محمد" بداية علاقته وقربه منها لـ"وكالة سند للأنباء": "التقيتها في عدة تغطيات بداية عملي الصحفي، وكوني كنت مبتدئا في العمل الصحفي، كنت أنظر لها بهيبة، وأتردد من التواصل المباشر معهم، إلى أن التحقت في برنامج دبلوم الإعلام الرقمي في جامعة بيرزيت عام 2019".

5F9ACB35-86B9-46CC-9373-3B0BA3CE0113.jpeg

A2F207B9-0C98-4D1F-A65B-0F966460C917.jpeg
 

ويمضى حديثه عن وجودها في دبلوم الإعلام الرقمي آنذاك: "ظننت أنها ستُعطينا مادة تدريبية أو ما شابه، لكن اكتشفت لاحقًا أنها ترغب بتطوير نفسها لتلحق بعالم السوشال ميديا، ومن هنا تكونت صداقتنا".

كانت "شيرين" تتشارك مع "محمد" إنجاز الوجبات والمشاريع المطلوبة منهم في الدبلوم، ما طوّر ذلك علاقة الزمالة بينهما، يُشير إلى أنها كانت "طالبة مجتهدة تهتم بإنجاز الأعمال بدقة، كانت تحتاجني بالأمور التقنية، وأنا كان لي الشرف أن أعمل مع أستاذة كبيرة مثلها".

5ED1334B-E6A7-4B01-B35A-26AE96BCAF7F.jpeg

وبحكم قضاء ساعات طويلة في أروقة الجامعة، كانت "شيرين" تشارك زملاءها طعام الإفطار، وعن ذلك، فما الذي كانت تُفضله من الأكلات الفلسطينية؟ يرد ضيفنا: "كانت تحب منقوشة الزعتر، تميل للأكل الفلسطيني، وأحيانا تحضر لنا الكعك من القدس".

كانت "شيرين" تحب الحيوانات الأليفة، وتحديدًا كلبها "فلفل" الذي اختارت له هذا الاسم، يقول محمد غفري: "كنا نستغرب من مدى تعلقها به، لقد كانت تقترب من الكلاب والقطط في الحرم الجامعي وتُطعمهم بيدها".

شيرينن.jpg
 

ويفخر "غفري" بالعلاقة التي جمعته مع "شيرين"، مستذكرًا شيئا من كلامها ومزاحها مع زملائها: "كان لديها شجرة زيتون في بيتها، وفي موسم الزيتون تمازحنا وتقول عندي ثلاث حبات على الشجرة تعالوا ساعدوني في تلقيطهم وعصرهم".

وعن آخر لقاء جمعه بها: يورد: "كان في حفل التخرج من دبلوم الإعلام الرقمي قبل أشهر، ألقت حينها شيرين كلمة الخريجين، وطلبت مني تصويرها لتنشر الصورة على صفحتها، وبالفعل نشرتها وكتبت عليها أنها عادت لمقاعد الدراسة بعد فترة طويلة من الانقطاع".

شيرين أبو عاقلة.jpeg

شيرين أبو عاقلة 1.jpg