السكن في القدس.. أزمة تُفاقمها سياسات الاحتلال بالمدينة

حجم الخط
القدس
بيان الجعبة - وكالة سند للأنباء

تسعى سلطات الاحتلال الإسرائيلي منذ سيطرتها على القدس عام 1967 إلى خلق أغلبية يهودية في المدينة عبر سلسلة من السياسات والإجراءات الرامية لذلك، بدءًا من المشاريع الاستيطانية، وليس انتهاءً بتشكيل أزمة سكن حقيقية تجبر المقدسيين للهروب خارج أسوار المدينة.

وعند احتلال القدس، صودر ما يقارب 87% من الأراضي الفلسطينية بالقدس، وقسّمتها إسرائيل بين أراضٍ خضراء يمنع البناء فيها، وأراضٍ لبناء المستوطنات المحيطة بالقدس كـ "بسغات زئيف"، و"راموت"، ومستوطنة التلة الفرنسية وغيرها، لتبدأ منذ ذلك الوقت معضلة السكن بالقدس، بحسب مدير مركز القدس للحقوق الاجتماعية والاقتصادية زياد الحموري.

وُضيف "الحموري" لـ "وكالة سند للأنباء": "أنالجزء الأخير من الأراضي المصادرة صُنف كأراضٍ عامة، واستغل 52%منها لإنشاء خدمات تفيد بشكل أساسي المستوطنين".

مستوطنات.jpg
 

وفي الوقت ذاته الذي صادر فيه الاحتلال الأراضي، هدم مناطق كاملة في القدس كـحيّ الشرف داخل البلدة القديمة، مما اضطر السكّان للخروج خارج حدود المدينة، إضافة إلى فرض قوانين تهدف لخلق صعوبات للحصول على تراخيص بناء، وفق "الحموري".

وعن هذا يقول خبير التخطيط الحضري راسم خمايسي، إن "مشكلة السكن تنبع من قرار الحكومة الإسرائيلية، القاضي بالتحفظ ومنع توسعة الأراضي المخصصة للبناء والتطوير في داخل مدينة القدس، لاعتبارات ديمغرافية بشكل أساسي".

ويوضح "خمايسي" لـ "وكالة سند للأنباء"، أن مساحة الأرض التي يمكن البناء فيها بمدينة القدس لا تتعدى حوالي 10 آلاف دونم، مشيراً إلى أن الحديث عن أرض يمكن البناء فيها لا يعني أن الأرض متاحة لإصدار رخصة بناء عليها.

ويزيد: "ثمة فرق بين الأرض المعدة للسكن بمعنى أنه يمكن إعداد مخطط تفصيلي وتسوية لها، وبين الأرض المتاحة للسكن؛ ويبرز هذا الفرق نتيجة إشكالية تسوية الأراضي التي تفرضها حكومة الاحتلال لخلق مشكلة بينها وبين مالكي الأراضي، بعدم مقدرتهم على الحصول على رُخص بناء بسبب عدم وجود تسوية لأراضيهم".

وتمنع بلدية الاحتلال إصدار رخصة بناء لكل من لا يملك (كوشان طابو) للأرض، رغم أن الذي يصدر "الطابو" هي حكومة الاحتلال نفسها، بالتالي شرذمة الملكيات ونزاع المالكين تزيد من أزمة السكن والبناء في مدينة القدس، تبعًا لـ "خمايسي".

تكاليف عالية

وبالعودة لـ "الحموري" فإنه يرى في التكاليف العالية التي تفرض على المقدسيين للحصول على رخصة بناء، سببًا هامًا في تفاقم مشكلة البناء والهدم، مستطردًا: "وصلت أرقام أوامر هدم البيوت في القدس إلى حدود خيالية، حيث بلغ عددها قرابة الـ 22 ألف أمر هدم، صدر بشكل تراكمي حتى اليوم".

ويوضح "الحموري" أن تكلفة ترخيص البناء في مدينة القدس تزيد عن 60 ألف دولار، ويستغرق استصدار رخصة البناء من 7 إلى 10 سنوات.

286734689_5117900771597992_4949848305983455517_n.jpg


ولا يتعلق الأمر في بناء البيت فقط، إنما انعكس هذا الأمر على المواطنين المستأجرين حيث تبلغ متوسط الإيجارات في القدس لشقة مساحتها 100 متر، ما بين 1000-1200 دولار، وهذا يفوق طاقة المواطن المقدسي الذي يبلغ متوسط دخله 1600$.

وعدا عن تكاليف الترخيص العالية، تضع سلطات الاحتلال، متطلبات إصدار كثيرة وبشروط تعجيزية، مما يؤدي لمحدودية إمكانية الحصول عليها، بشكل سلس ومرتب، بحسب مايورده الخبير "خمايسي".

ويُبيّن أن "لدى الاحتلال سياسة مبيتة وطويلة المدى لخلق ضائقة سكنية وبيئية وحيزية للمجتمع المقدسي؛ للمساهمة في هجرة الطبقة الوسطى لخارج المدينة، بسبب البيئة الحضرية التي لا تُشكل بيئة حاضنة ورابطة ومعززة من حيث البنى التحتية".

تهجير وطرد..

ويرى مدير مركز القدس زياد الحموي، أن كل العوامل والمضايقات التي تفرضها حكومة الاحتلال وبلديتها في القدس، أجبرت المقدسيين للسكن في المناطق المعرفة بأنها خارج حدود بلدية الاحتلال بالقدس، كمخيم شعفاط، وكفر عقب، هربًا من التكاليف العالية وضغوط استصدار الرُخص، مقابل المخاطرة بسحب هويته وإقامته المقدسية.

وبالرغم من أن أزمة المسكن والاكتظاظ أكثر بكثير في تلك المناطق من قلب المدينة، إلا أن الهروب إليها يعتبر المنفذ الوحيد الذي يملكه المقدسي الذي انعدمت بيده الحلول.

ويخشى "الحموري" من تكرار سيناريو (ضاحية البريد) وهي منطقة تقع داخل القدس على حدود بلدتيّ بين حنينا والرام؛ حيث هرب إليها المقدسيون قبل سنوات في محاولة لحل أزمة السكن، إلا أن الاحتلال أغلق "الضاحية" بشكل مفاجئ حينها، وأعلن أنها أراضٍ تابعة للسلطة الفلسطينية وكل من يسكنها كأنما يسكن خارج القدس ومهدد بسحب هويته.

وبعد تلك التهديدات، اضطر المقدسيون حينها للعودة لقلب مدينة القدس، مما فاقم أزمة السكن.

السم بالعسل!

ومن جهته يحذّر الخبير "خمايسي"، مما تسميه بلدية الاحتلال بالقدس بـ "التأهيل" أو "التجديد الحضري"، وهو مصطلح جديد باتت بلدية الاحتلال تطلبه من السكان في بعض بلدات المدينة، مثل سلوان والعيساوية وصور باهر.

ويكمل: "التأهيل أو التجديد الحضري هي كلمة معسولة ولكنها مملوءة بالسم، لأن إمكانية توفير الشروط اللازمة لأجلها تكاد تكون مستحيلة".

285716656_357374526537037_4698645572139668056_n.jpg
 

والتجديد الحضري، حسب منهج تخطيط المشاريع، هو سيرورة يتم من خلالها هدم وتفريغ "مناطق متردية، وزرع مشاريع بناء جديدة مكانها، لتكون جزءًا من الاستبدال الحضري الذي لا يأخذ بعين الاعتبار واقع المجتمع المحلي واحتياجاته"، بحسب "خمايسي".

ويتابع: "إلا أنه وفي واقع الصراع على طابع المدينة وتوزيع الأفراد والمجموعات السكانية يستخدم الاحتلال التجديد أو التأهيل الحضري، كمصطلح يجمع بين مركبات مصفوفة الضبط والسيطرة الذكية لتغيير الواقع، وتحقيق أهداف الاحتلال الديمغرافية بالقدس".

وفي ضوء ذلك يعتقد أن إمكانية تهيئة البيئة الحضرية المناسبة في بلدات القدس، هي فرصة محدودة؛ بسبب أن الحيز العام محدود، وشبكة الشوارع محدودة، والبنى التحتية كلها ركيكة، وفق "خمايسي".

ويلفت إلى أن المطالبة بتكثيف عمليات البناء وزرع أبنية جديدة في حيز بلدات القدس المحدود والركيك، يعني تشكيل حالة ضغط على البنية التحتية، وبالتالي زيادة تعقيد أزمة السكن من حيث الحيز العام الذي يخدمها.

الحلول الممكنة والمطروحة

إلى ذلك يتحدث "الحموري" عن الكثير من الحلول الممكنة لأزمة السكن في القدس، أقلها تقديم المساعدات الحقيقية للمقدسيين بقضايا البناء والقروض المسهلة أو المعفية.

ويضيف: "هناك العديد من الطرق لحل هذه الأزمة، لكن من الواضح أنه لا نية لدى جهات اتخاذ القرار الفلسطيني لمساعدة المقدسيين، فهذه أزمة موجودة منذ سنين طويلة، وحلولها طرحت أكثر من مرة وفي أكثر من مناسبة".

أما "خمايسي" فيرى أن من يستطيع حل مشكلة السكن في القدس بالدرجة الأولى هي بلدية الاحتلال ذاتها، والتي تستخدم رخص البناء وتسوية الأراضي كمصيدة للسيطرة على المواطن، إلا أنها غير معنية بالحل لأسباب جيوسياسية وديمغرافية.