في مشهد يعيد إلى الأذهان فصولًا دامية من المأساة، ارتقى الشاب الفلسطيني ثمين دوابشة شهيدًا برصاص مستوطنين إسرائيليين، بعد أيام من حلول الذكرى العاشرة لمحرقة عائلة دوابشة في بلدة دوما جنوب شرق نابلس، والتي راح ضحيتها الرضيع علي دوابشة ووالداه.
تأتي هذه الجريمة لتجدد المخاوف من استهداف متواصل للبلدة، في ظل تصاعد الهجمات الاستيطانية، وتحريض علني من قبل المستوطنين، وتواطؤ واضح من قوات الاحتلال الإسرائيلي.
لم تكد جنازة الشهيد "ثمين" تنتهي، حتى تحول عدد من المشاركين فيها إلى معتقلين، إذ نشر أحد المستوطنين من البؤر الاستيطانية المحيطة بدوما منشورًا تحريضيًا عبر تطبيق "تليغرام"، تضمّن صورًا من الجنازة، ودوائر على وجوه خمسة من المشيعين، مع تساؤل تحريضي: "لماذا لم يُعتقل هؤلاء؟".
وفي الليلة التالية، اقتحمت قوات الاحتلال البلدة واعتقلت الشبان الخمسة الذين ظهروا في المنشور.

يقول عمار دوابشة، شقيق المعتقل عبادة دوابشة لـ"وكالة سند للأنباء"، إن الجنود داهموا منزله، وطلبوا من عبادة ارتداء الملابس التي كان يرتديها أثناء التشييع، والتي وجدوها معلقة على حبل الغسيل، قبل أن يعتقلوه ويوثقوه.
وفي تطور خطير، نشر المستوطن ذاته لاحقًا صورًا للمعتقلين الخمسة، وهم معصوبو الأعين، مكبلو الأيدي، وبملابس التشييع، محاطين بجنود الاحتلال وخلفهم علم "إسرائيل"، ما فُسر على أنه استعراض للقوة واستمرار في التحريض.

تواطؤ جيش الاحتلال وترويع الأهالي
وتشير شهادات أهالي المعتقلين وشهود العيان إلى أن التحريض العلني الذي يمارسه المستوطنون عبر وسائل التواصل الاجتماعي لا يظل حبيس المنصات، بل يُترجم سريعًا إلى مداهمات واعتقالات ميدانية ينفذها جيش الاحتلال.
وفي الوقت الذي يبقى فيه المستوطن المتورط في قتل الشاب ثمين دوابشة حرًا طليقًا دون مساءلة أو تحقيق، يجد الفلسطينيون أنفسهم عرضة للاعتقال والملاحقة لمجرد مشاركتهم في تشييع الضحية.
وتُبدي عائلات المعتقلين قلقًا بالغًا حيال مصير أبنائهم، خشية تعرضهم للتنكيل أو التعذيب، خاصة في ظل تصاعد ما بات يُعرف بظاهرة "الاقتحام بناءً على منشورات المستوطنين"، حيث يتزايد نفوذ المستوطنين في توجيه قرارات الجيش وتحريك عملياته ضد الفلسطينيين.
دوما تحت الحصار والاستهداف
في ظل هذا التصعيد المتواصل والتحريض العلني، تبدو بلدة دوما وكأنها تقف في قلب دائرة الاستهداف، ليس فقط بفعل الاعتقالات والمداهمات، بل أيضًا بسبب موقعها الجغرافي الحساس.
فالبلدة تقع في منطقة تشرف على الأغوار، أسفل ما يُعرف بـ"خط ألون" الاستيطاني، ما يجعلها هدفًا استراتيجيًا لمخططات الاحتلال الرامية إلى الضم والتهجير.
ويستعرض عمر دوابشة، أحد سكان البلدة، تفاصيل الحادثة التي فجّرت موجة التوتر الأخيرة، موضحًا أن مستوطنين دهسوا طفلًا كان يلهو بدراجته عند أطراف القرية، ثم حاولوا اختطافه.، تدخل الأهالي لنجدة الطفل، فتحولت الحادثة إلى مواجهات مباشرة.
خلالها، أطلق أحد المستوطنين النار، ما أسفر عن إصابة الشاب ثمين دوابشة برصاصة في الشريان الفخذي، أدت إلى نزيف حاد لم تفلح معه جهود إنقاذه، فاستُشهد قبل أن يصل إلى المستشفى.
ورغم أن الجريمة كانت واضحة المعالم، فإن قوات الاحتلال لم تتدخل لاعتقال المجرمين، بل حضرت لتأمين انسحابهم، ثم سارعت إلى إغلاق الطرق المؤدية إلى المنطقة بالسواتر الترابية، في خطوة تؤكد انحيازها الكامل للمستوطنين على حساب الضحايا من أبناء البلدة.
تحريض وهدم وتضييق ممنهج
منذ استشهاد دوابشة، تكثف التحريض على أهالي البلدة، حيث طالب المستوطنون بهدم منازل المشيعين بسبب رفع رايات فلسطينية خلال التشييع.
واقتحمت قوات الاحتلال بيت عزاء الشهيد في اليوم الأول، وهددت بمنع رفع أي شعارات أو رايات فصائلية، فيما استمرت الدوريات والاقتحامات بشكل شبه يومي.
ويقول الأهالي إن الاعتداءات لا تقتصر على الجانب الأمني فقط، بل تتعداها إلى عمليات تجريف موسعة للأراضي الزراعية، ومنع المواطنين من الوصول إلى أراضيهم، فضلًا عن الاعتداءات الليلية المتكررة من قبل المستوطنين، الذين يرشقون البيوت بالحجارة لإرهاب السكان.
حصار اقتصادي ومعيشي
بدوره، يؤكد سليمان دوابشة، رئيس مجلس قروي دوما، أن البلدة تعيش حالة من الحصار الممنهج، حيث تُحاصر من أربع بؤر استيطانية رعوية من الجهات الشرقية والشمالية الغربية والجنوبية.

ويُوضح دوابشة لـ "وكالة سند للأنباء" أن بلدة دوما كانت تمتد على مساحة تُقدّر بـ18,500 دونم، إلا أن ما تبقى منها فعليًا لا يتجاوز 940 دونمًا فقط، وهي المساحة التي تضم التجمعات السكنية والمرافق العامة.
وأضاف أن سلطات الاحتلال صعّدت خلال العامين الماضيين من سياساتها التضييقية، حيث أصدرت نحو 200 إخطار هدم ووقف بناء، في محاولة واضحة لتقييد أي توسع عمراني ودفع السكان نحو الرحيل.
ولفت إلى أن المستوطنين يسيطرون على الينابيع الأربع التي تغذي البلدة، ويمنعون الرعاة والمزارعين من الوصول إليها، ما أدى إلى شلّ الحياة الاقتصادية، وتراجع كبير في الزراعة والرعي، وهما عماد اقتصاد دوما.

ومع اقتراب موسم قطف الزيتون وانطلاق العام الدراسي الجديد، تتزايد مخاوف أهالي دوما من تصعيد متوقع في اعتداءات المستوطنين، في ظل استمرار استهداف المدارس والمزارع، وتشديد الخناق على السكان من خلال الحواجز العسكرية الدائمة على مداخل البلدة، والتي تعيق حركة الأهالي وتؤثر على تفاصيل حياتهم اليومية.
سياسة تفريغ الأرض
وفي ضوء تصاعد اعتداءات المستوطنين، تتّضح ملامح مشروع استيطاني أوسع، لا تقتصر تداعياته على دوما وحدها، بل تشمل بلدات وقرى أخرى في جنوب شرق نابلس، حيث تتكامل اعتداءات المستوطنين مع إجراءات الاحتلال الرسمية نحو هدف واحد: تفريغ الأرض من أصحابها الأصليين.
وهو ما يؤكد سليمان دوابشة، بالقول: "ما يجري في دوما و13 بلدة جنوب شرق نابلس، سياسة ممنهجة هدفها التهجير القسري تمهيدًا لإحكام السيطرة الاستيطانية الكاملة على المنطقة الممتدة من نابلس إلى الأغوار".
