الساعة 00:00 م
الخميس 18 يوليو 2024
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
25° غزة
4.73 جنيه إسترليني
5.13 دينار أردني
0.08 جنيه مصري
3.98 يورو
3.64 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

سلّمت نفسها صباح اليوم لقضاء محكوميتها..

العمل الإنساني.. تُهمة إسرائيلية تُوجع عائلة آية الخطيب وتُشتت شملها

حجم الخط
آية الخطيب
غزة/ عرعرة - أحلام عبد الله - وكالة سند للأنباء

بدموعٍ شجيّة، والكثير من حرقة القلب وشعور العجز أمام احتلال متغطرس، ودّعت الناشطة الفلسطينية آية الخطيب صباح اليوم الاثنين، عائلتها وطفليها، في بلدة عرعرة بالداخل المحتل، قبل ذهابها للسجن لقضاء محكوميتها البالغة نحو عامين؛ على خلفية عملها الإنساني.

وآية الخطيب (34 عامًا) هي أم لطفلين "محمد" و"عبد الرحمن" في الصفين المدرسيين السابع والرابع، وكانت قبل أن تُسلّم نفسها، قيد الحبس المنزلي مع "سوار إلكتروني" في رجلها داخل بيتها في عرعرة.

ويأتي حبس الخطيب تنفيذًا لقرار محكمة إسرائيلية قضت في الـ 15 من شهر آب/ أغسطس الماضي، بحبسها لأربع سنوات بـ "تهمة التخابر مع عميل أجنبي"، وجرى تخفيض المدة إلى سنتين بسبب ما يُعرف بـ "التخفيض الإداري".

آية الخطيب وابنيها.jpg


وقدّمت سلطات الاحتلال لائحة اتهام، يوم 18 آذار/ مارس 2020 بحق "آية"، تتضمن "تقديم معلومات بهدف المسّ بأمن الدولة، والاتصال مع "عميل أجنبي لحركة حماس وتجنيد أموال لدعم الإرهاب"، إلى جانب اتهام بمساعدة أطفال مرضى تنتمي عائلاتهم إلى "حماس"، بحسب الادعاء.

هذا الحُكم وضع عائلة "آية" في دوّامة جديدة من البعد وتشتيت الشمل، فقد جاء بعد سنوات من التضييق والحبس المنزلي بعيدًا عن منزلها وأسرتها، إلا أن ذلك لم ينل من عزيمتها، لتردد بعد أن صدر الحكم عليها: "هم لا يقدروا علينا ولن يكسرونا ولا يستطيعوا تغيير شعرة من مبادئنا، الحمد الله، وأتمنى من الناس ألا تخاف وتمتنع عن أعمال الخير بسبب ما يجري".

وللاقتراب أكثر من معاناة "آية" وأسرتها، حاورت "وكالة سند للأنباء" زوجها علي عقل، بعد أنّ منع الاحتلال، الخطيب، من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والهاتف، طيلة مدة تواجدها في الحبس المنزلي.

ويبدأ "عقل" حديثه بالتعريف بزوجته: "رفيقتي آية، أخصائية نطق وسمع، وهي خريجة جامعة حيفا، ولدينا طفلان محمد (12 عامًا)، وعبد الرحمن (9 أعوام)، كنا عائلة صغيرة سعيدة إلى أن قرر الاحتلال تشتيت شملنا".

يعود الزوج بذاكرته لبداية الحكاية، عندما اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي منزلهم فجر 17 شباط/ فبراير 2020، بعد محاصرته من جميع الجهات، قائلًا: "حينما نزلت لأرى ما الذي يجري اعتقلني الجنود، على مدخل البيت، ومنذ تلك اللحظة لم أرَ زوجتي إلا بعد ستة أشهر".

وعن تفاصيل تلك الليلة، يروي ضيفنا: "اعتقلوني وأبعدوني عن عائلتي، ثم بدأوا التحقيق مع آية أمام أطفالنا داخل المنزل، بحضور الكلاب لتخوفيهم، وأصرّوا على بقاء محمد وعبد الرحمن، من أجل الضغط عليها".

ويتابع "‏قلب جنود الاحتلال في تلك الليلة، المنزل رأسا على عقب، بحثًا عن أموال وجهاز حاسوب وهاتف آية المحمول، وصادروا مبلغا من المال، وبعد ثلاث ساعات من التحقيق القاسي معها وجدال مع شرطة الاحتلال، تمكنت من إخراج أطفالي من غرفة التحقيق".

ساعات من الرعب والخوف عاشها الطفلان برفقة والدتهما، كانت كفيلة بترك أثر نفسي عميق عليهم، وعن ذلك يحدثنا: "بعد تلك الليلة العصيبة التي مرّت على أطفالي، اضطررت أن أعرضهم على أخصائيين نفسيين للتخلص من آثارها، لكن لا يزالون يعانون من تبعات تلك الليلة".

آية الخطيب.jpg
 

وفي صبيحة اليوم التالي وصل "عقل" وزوجته إلى مركز شرطة الاحتلال، لكنهما لم يلتقيا هناك، وأثناء التحقيق معه تعرض لمعاملة سيئة وحاولوا الضغط عليه بأكثر من وسيلة؛ للإقرار بالتهم الموجهة لزوجته، والتي كانت بمثابة صدمة له.

ويشير إلى أنّ جرى الإفراج عنه بعد ساعات من التحقيق، لكنّ زوجته "آية" بقيت رهن التوقيف لعامٍ وأربعة أشهر في سجن الدامون المقام على جبال الكرمل بجانب مدينة حيفا، بانتظار محاكمتها.

حبس وإبعاد..

استنفدت محكمة الاحتلال جميع الطرق كي تظل "أية" موقوفه لديها في تلك المدة، ولم تستطع إيجاد دليل لإدانتها فاضطرت للإفراج عنها، وإجبارها على المكوث في الحبس المنزلي مع إبعادها عن مكان إقامتها إلى قرية بسمة طبعون جنوب مدينة حيفا.

خلال محادثتنا مع "علي"، كانت تخونه الذاكرة في استرجاع بعض التفاصيل تلك الفترة فكان يستعين بذاكرة زوجته التي كانت تجلس بجواره، ولكنها لا تستطيع التحدث إلينا بسبب منع سلطات الاحتلال لها من استخدام وسائل الاتصال بشكل عام.

‏ولم تتوقف المعاناة هذه العائلة عند هذا الحد، فقد تواصلت محاكمات "آية" على مدار شهور، حاول الاحتلال خلالها استنزاف العائلة نفسيا وماديا، إلا أنه لم يتمكن من إثبات دليل واحد على اتهاماته.

‏وعن ظروف الاعتقال المنزلي يحدثنا الزوج: "كانت ظروف الحبس المنزلي لآية صعبة، فقد منعت بشكل تام من الخروج من المنزل، إضافة إلى أنهم أجبروا الكفيل على الجلوس داخل المنزل معها طوال الأربع وعشرين ساعة في اليوم".

ويضيف أنّ "الاحتلال منع في تلك الفترة لقائه بزوجته من تاريخ اعتقالها في فبراير 2020"، وعندما خانته الذاكرة في استرجاع تاريخ لقائهما الأول بعد انتهاء الحبس المنزلي، استعان بها وهي بجانبه لتذكره أنه كان في شهر كانون ثاني/ يناير 2022.

علي عقل.png


وبسبب بعد قرية طبعون عن بلدة عرعرة، كان يتعذر على "آية" لقاء طفليها سوى ثلاثة أيام في الأسبوع، ليكون الاحتلال بذلك قد فرّق شمل عائلة عقل لعامين كاملين، فكان الطفلان إما أن يجتمعا مع والدتهما أو والدهما، وليس مع الاثنين معًا.

وعن أثر تلك الفترة على طفليهما يتحدث الوالد أنهما عاشا حينها ضغوطات كبيرة، فلم يكن باستطاعتهما الخروج من البيت، وكانت أقصى مسافة أن يخرجوها هي إلى المسجد أو للشراء من البقالة المجاورة، كما حرما من المشاركة في الفعاليات المنهجية في المدرسة، أو في الحدائق العامة، أو حتى في المناسبات العائلية بجوار والدتهما.

‏وظلّت هذه العائلة في شتاتٍ إلى أنّ وصلت للحظة لم الشمل من جديد على مائدة غداء صنعت فيها "آية" المقلوبة في يناير 2022، حيث وصف ضيفنا اللقاء بـ "الحاني" وضم في جنباته الكثير من الأحاديث السعيدة بينهم.

وفي شهر أيار/ مايو 2022، استطاعت "آية" أن تدحض جميع الاتهامات الموجهة لها بالدلائل، ورغم ذلك قررت محكمة الاحتلال في آب 2022 نقلها إلى الحبس المنزلي في قرية زلفة شمال مدينة أم الفحم، كنوع من الضغط النفسي والعقاب، وسط ظروف انتقالية صعبة تنتظر فيها موافقة الاحتلال على انتقالها من مكان إلى آخر، إضافة لمدة أخرى لموافقة المحكمة على انتقال أغراض بيتها، حيث تتواجد.

آية الخطيب والمحامي.jpg


‏وعندما فشلت محكمة الاحتلال في إثبات أي دليل ضد "آية"، عادت لتقضي فترة الحبس المنزلي في بيتها في بلدة عرعرة بموجب اتفاقية عقدها محاميها مع المحكمة، إلى أن صدر بحقها الحكم بالسجن لأربع سنوات مع غرامة 25 ألف شيكل.

استطاع عقل تأجيل موعد تسليم آية لسجون الاحتلال حتى يوم صبيحة اليوم الاثنين (18 أيلول/ سبتمبر)، وذلك بسبب حاجتها لإجراء عملية في قدميها.

وخوفًا من سرقتها من بينهم، امتنع طفليها خلال الأيام الأخيرة التي سبقت تسليم والدتهما، عن الخروج من المنزل لوحدهما، وكانا يُصران على مرافقة والدهما لهما عن ذلك يقول علي عقل بعد تنهيدة: "تخيّلوا أنهما خائفان من أي لحظة يُداهم الاحتلال منزلنا، ويعتقل والدتهما (..) يعيشان ظروفًا نفسية صعبة".

لكنّ وبالرغم من كل المعاناة التي تمر بها العائلة ختم علي عقل حوارنا معه برسالة من زوجته آية الخطيب: "مهما حاول الاحتلال إسكات صوتنا، فلم يمنعنا من مساعدة الأطفال الفقراء والمرضى".