بينما تحاول حكومة الاحتلال الترويج لصورة "الانتصارات" التي تدّعي أنّها حققتها في غزة خلال الحرب المتواصلة منذ 10 شهور، نشر الجيش الإسرائيلي اليوم الأربعاء معطياتٍ جديدة أظهرت حجم الخسائر التي تكبدها؛ بفعل كمائن المقاومة وعملياتها بمحاور القتال التي عادةً ما توثقها بالفيديو والصور.
وتُظهر المعطيات المنشورة أنّ 690 جنديًا وضابطًا قُتلوا منذ بداية الحرب في السابع من أكتوبر/ تشرين أول 2023، بينهم 330 بالمعارك البرية في قطاع غزة التي بدأت في 27 من الشهر ذاته، فيما استقبل قسم إعادة التأهيل في وزارة الجيش 10 آلاف و56 جنديًا جريحًا منذ بدء الحرب، بمعدل أكثر من ألف جريحٍ جديد كل شهر.
ويُعاني 35% من الجرحى الجنود القلق والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة، فيما أفاد 28% من إجمالي الجرحى أنّ التأقلم العقلي هو إصابتهم الرئيسية، إضافة إلى آلاف الجنود الذين أصيبوا في الأطراف، والمئات يعانون من إصابات في الرأس والعينين والعمود الفقري، في حين تم بتر أطراف العشرات من الجنود.
وأظهرت معطيات الجيش الإسرائيلي أنّ 68% من الجرحى هم من جنود الاحتياط معظمهم من الشباب، حيث إن 51% تتراوح أعمارهم ما بين 18 -30 عامًا، و31% تتراوح أعمارهم ما بين 30 – 40 عامًا.
وبالرغم من الاتهامات المتواصلة لجيش الاحتلال بإخفاء حجم الخسائر الحقيقية وأنها أكبر من الأرقام المعلنة، إلا أنّ الإعلان عنها بعد وقتٍ قصير من وصف وزير الجيش يوآف غالانت مصطلح "النصر المطلق" الذي يردده بنيامين نتنياهو بأنه "ثرثرة وهراء"، يحمل أبعادًا ورسائل كثيرة وفق مراقبين بالشأن الإسرائيلي.
وفي هذا السياق قال المختص بالشأن الإسرائيلي أليف صباغ إنّ "تسريب هذه المعطيات بشأن وقائع المعركة في غزة لوسائل الإعلام، يُمثل مؤشرًا أوليًا على حجم الخلافات بين رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وشركائه في الحرب".
وأوضح صباغ في تصريحٍ خاص بـ "وكالة سند للأنباء" أنّ "غالانت كان منذ البداية مصطفًا إلى جانب المعسكر الذي يُنادي بالتوجه إلى صفقة تبادل مع حركة حماس، لكنّه كان يرفض التنحي تحت ذريعة إبقاء وحدة الحكومة، ومع ذلك فهو لا يترك أي فرصة لتوبيخ نتنياهو".
وأكد أنّ هذه الخلافات نابعة من فكرة تحمّل المسؤوليات، "فنتنياهو يحاول توريط شركائه في الائتلاف تحديدًا بيني غانت الذي هرب من السفينة قبل أن تغرق، ولم يجد أمامه الآن سوى غالانت وقياد الجيش لتحميلهم مسؤولية عدم حسم النصر المطلق في غزة".
وأشار إلى أنّ "غالانت" تنبّه لهذا الأمر ويحاول صدّه والتنصل من المسؤولية الملقاة على عاتقه من قبل "نتنياهو" في حال لم يتمكن الجيش من تحقيق النصر وأهداف الحرب، أبرزها القضاء على حركة "حماس".
ولدى المؤسسة العسكرية الإسرائيلية دافعان مهمان لوقف الحرب في جبهة غزة، أولهما الخروج من مقصلة تحقيق الأهداف العشوائية والتي يعترف الجيش أنها "غير واقعية" وأنّها بمثابة فخ أوجده نتنياهو لإطالة أمد المعركة أطول فترة ممكنة، وفق أليف صباغ.
أما الدافع الثاني، فيتمثل من وجهة نظر صباغ، بـ "رغبة غالانت بإحراج رئيس الحكومة وتحميله مسؤولية استمرار المعارك وإخفاق التوصل لنتائج محسومة في قطاع غزة من جهة، والخوف من تفجّر الأوضاع في الجبهتين الشمالية وإيران وما يترتب عليها من تداعيات إقليمية ودولية".
3 محددات لإعلان حصيلة الخسائر..
من جانبه يشير المختص بالشأن الإسرائيلي إيهاب جبارين، لوجود 3 محددات رئيسية في إعلان حصيلة الخسائر، أولها هو رغبة الجيش في إعادة بناء الثقة مع الجمهور الإسرائيلي، عبر إعلان حقيقي عن خسائر المعارك في غزة، خاصة في ظل الاتهامات المتواصلة للجيش بإخفاء الأعداد الحقيقية لقتلى الاحتلال وجرحاه.
وأضاف جبارين في تصريحٍ خاص بـ "وكالة سند للأنباء" أنّ المحدد الثاني يتمثل في رغبة الجيش بالحصول على مزيد من النفقات المالية المتعلقة بمعالجة ملف الجرحى، إذ تتوقع دوائر القرار في المؤسسة العسكرية وصول 100 ألف جريح مع حلول 2030.
وبحسب القناة الـ12، فإن غالبية جرحى الجيش وبقية المنظومة الأمنية في الحرب على غزة انضموا إلى عشرات الآلاف من معاقي الجيش الذين أصيبوا في الحروب السابقة، أي أنه تم تصنيفهم تحت صفة "معاقي الجيش"، الذين يجب على الدولة تقديم حقوق خاصة بهم مدى الحياة.
أما المحدد الثالث لهذا الإعلان، يتمثل في أنّ المؤسسة الأمنية باتت تؤمن أنه من الضروري التوجه لصفقة سياسية تُنهي الحرب في غزة وتُعيد الأسرى الإسرائيليين لدى المقاومة، في ظل استحالة تطبيق نظرية "النصر المطلق".
ولفت أنّ هذه النظرية أضرت بالجيش الإسرائيلي كثيرًا كونها غير واقعية من ناحية التطبيق، مضيفًا أنّ الجيش بعد كل شهور من المعارك أصبح يبحث عن مخرج سياسي يعفيه من تحمّل مسؤولية ما يجري في المشهد الميداني، الذي يُكلفه أثمانًا باهظة على المستوى البشري والعتاد العسكري.
بينما رأى القيادي في لجنة المتابعة العليا بالداخل الفلسطيني المحتل قدري أبو واصل، أنّ الاعتراف بحصيلة الخسائر بعد أيام من الإحراج الذي سببه "غالانت" لـ "نتنياهو" بشأن مصطلح "النصر المطلق"، محاولة من المؤسسة العسكرية لتجنب الضغط السياسي للذهاب إلى حرب إقليمية تكون إيران طرفًا فيها.
وبيّن "أبو واصل" في تصريحٍ خاص بـ "وكالة سند للأنباء" أنّ "غالانت" لا يريد الذهاب لحرب في الشمال مع حزب الله اللبناني أو إقليمية مع إيران، لأن لديه قراءة معمقة تؤكد أن "نتنياهو" يحاول جر "إسرائيل" لحرب غير محسوبة التوقعات والنتائج.
وتابع أنّ "هذه المغامرة التي يتبناها نتنياهو في الوقت الراهن لأسباب حزبية وشخصية، قد تضع إسرائيل أمام حرب مفتوحة، لن تحسم فيها نصرًا حتميًا، وبالتالي ستحمل الجيش مزيدًا من المسؤوليات التي هو في غنى عنها لذا فهو يضع جمهوره أمام حصيلة حقيقية كإقرار ضمني بعدم الجهوزية لخوض حرب شاملة".