لا تزال الانتقادات داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تتوالى وتتصاعد، على ضوء الحرب الجارية في قطاع غزة، وما توقعه المقاومة الفلسطينية من خسائر في صفوف جيش الاحتلال، كان آخرها ما جاء على لسان ضابطين أحدهما في الخدمة حتى الآن، انتقدا فيه إصرار الجيش على البقاء في محوري "فيلادلفيا ونتساريم".
إذ أقر اللواء يسرائيل زيف الرئيس السابق لشعبة العمليات في جيش الاحتلال أمس السبت، بعدم جدوى البقاء في غزة بعد شهورٍ من اندلاع الحرب: "عالقون في القطاع وقواتنا تنزف، واستمرار القتال يُكلف الجنود حياتهم".
فيما نقلت القناة 12 عن ضابط إسرائيلي قوله: "لا أفهم ما الذي يفعله الجيش في محور نتساريم جنوب مدينة غزة، عدا حماية نفسه"، مشيرًا إلى أنّ المقاومة تُنفذ عملياتها في المحور فيما "بقي الجيش بالمنتصف؛ لأنه غير قادر على البلع أو التقيؤ" في إشارة إلى عجزه عن السيطرة على المنطقة كما أنه لا ينسحب منها.
وهذا ما يؤكده مختصان في الشؤون العسكرية لـ "وكالة سند للأنباء" فمحور نتساريم الذي تم تزويده إسرائيليا بكل الوسائل والإمكانيات القتالية من أجل إقامة عسكرية طويلة، أصبح بفعل قصف المقاومة المكثف وكمائنها النوعية، "فاقدًا لقيمته العسكرية وغير قادر على تحقيق أهدافه".
وممر نتساريم هو طريق أقامه جيش الاحتلال خلال الحرب الحالية، ويقسم قطاع غزة إلى نصفين، ويمتد من الحدود الشرقية لقطاع غزة إلى البحر الأبيض المتوسط، ويُحظر على الفلسطينيين استخدامه، كما يُعد بمثابة نقطة انطلاق للعمليات الإسرائيلية فيما يُعرف بـ "المرحلة الثالثة" من الحرب.
لكن تكثيف قصف هذا المحور، يُنهك قوات الجيش ويجعلها في حالة "دافع دائم عن النفس"؛ وهو ما يراه مختصون أنّه إفشال منظّم من المقاومة لـ "المرحلة الثالثة" التي يسعى فيها رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بإبقاء قواته في محوري نتساريم وفيلادلفيا والمنطقة العازلة على طول الحدود مع القطاع، لتنفذ عمليات خاطفة ومركزة لاحقًا.
فشل الأهداف المرجوة من المحور..
وأكد المختص بالشؤون العسكرية اللواء واصف عريقات، أنّ الاحتلال فشل بتحقيق أهدافه الأمنية والجغرافية والديمغرافية المرجوة من المحور، والتي تتمثل بفصل القطاع وتقسيمه جغرافيًا، وجعله نقطة انطلاق للعمليات العسكرية وتأمين سكان المستوطنات المحاذية للقطاع.
وأوضح عريقات أنّ الهدف الرئيسي من هذا المحور هو اعتباره قاعدة عسكرية تنطلق منها قوات الجيش لتنفيذ عمليات ضد المقاومة في شمال القطاع تحديدًا، والسيطرة على السكان المتواجدين هناك.
فيما يتمثل الهدف الثاني في تحقيق تأمين المستوطنين في المستوطنات المحاذية للحدود مع القطاع، ومنع أي هجوم عسكري عليها، وتحقيق أقصى درجات "الأمن" لتل ابيب والمستوطنات المحيطة بها أيضًا.
ولفت عريقات أنّ هذه الخطة التي وضعها الاحتلال تقود في المحصلة لإضعاف قدرات المقاومة والحد من حركتها؛ لكنّها "اصطدمت بخطة منظمة من فصائل المقاومة، أثبت امتلاك الأخيرة لخطة دافعية أكبر وأقوى من خطة الهجوم الذي نفذته في السابع من أكتوبر/ تشرين أول الفائت".
وتراعي خطة المقاومة التعامل مع سيناريو الفصل وإعادة احتلال قطاع غزة، وهي التي ترجمت باستمرار العمليات ونوعيتها، والكمائن المتكررة في المحور الذي تصفه بـ "محور الموت"، تبعا لعريقات.
ومن وجهة نظر ضيفنا فإنّ كمائن المقاومة وعملياتها حققت مجموعة من الأهداف أولها، جعل المحور في حال استنزاف دائم وإشغال أمني وعسكري ولوجستي، بالتالي إفقاد جيش الاحتلال أهم هدف كان يرجوه من المحور، وهو جعله محطة انطلاق للعمليات الهجومية الإسرائيلية.
وثاني الأهداف التي حققتها المقاومة والكلام لعريقات، يتمثل في إضعاف القدرات القتالية والتأثير على الخطط الهجومية، وجعلت الجنود في حالة عدم ثبات، ما يعني تحويل المحور لـ "حالة دفاع عن النفس فقط، وهذا يعني ارتفاع كلفة الثمن دون مقابل".
وأشار إلى أنّ هذا يجعل من المحور عبئا، وهذا ما دفع أوساط عسكرية وأمنية داخل دولة الاحتلال للموافقة على الانسحاب منه والإقرار بعدم جدوى البقاء فيه.
وأكد اللواء واصف عريقات أنّ أفعال المقاومة في وجه الجيش الذي يعتمد على الدبابات والطائرات والأعداد الكبيرة من الجنود والضباط، أوصلت رسالة واضحة مفادها أن "التفوق بالمعدات لا يعني دائمًا التفوق بالميدان".
وخَلص إلى أنّ الجيش أصبح مقتنعًا بعدم قدرته على هزيمة المقاومة رغم كل المحاولات العسكرية للقضاء عليها، وهذا يُفسّر على أرض الواقع بالانقسامات بين المؤسسة الأمنية والمستوى السياسي، والمطالبات المتزايدة بضرورة الانسحاب والتوجه لإبرام صفقة مع حركة "حماس".
من جهته، تطرق الباحث العسكري العميد اللبناني المتقاعد أكرم سيريوي، إلى مسألة أخرى، وهي قوة الخطة الدفاعية التي وضعتها المقاومة، وقدرتها على صياغة خطة تقرأ فيها نقاط الضعف والمناطق الرخوة التي يمكن السيطرة عليها، واتخاذها مناطق فصل من طرف الاحتلال.
وقال العميد المتقاعد سيريوي، إنّ الخطة أفقدت جيش الاحتلال القدرة على الاستثمار في هذه المناطق، أو صناعة بيئة قتالية لصالحها ضد المقاومة، وجعلتها من مناطق هشّة إلى مناطق قتالية معقدة.
وبين أن أهمية محور نتساريم للإسرائيليين تمثلت في اعتباره محطة لتحقيق مجموعة أهداف استراتيجية، سواء على صعيد تقسيم القطاع لكانتونات، أو العمل على إخلاء السكان من المنطقة الشمالية أو الدفع باتجاه خلق واقع أمني ومدني جديد في المنطقة الشمالية من خلال هيئة تدير السكان هناك.
واستدرك: "لكن أفعال المقاومة واستمراريتها ونوعيتها، كانت قادرة على تحويل هذه المنطقة لكابوس يؤرق جيش الاحتلال، وهي بالمحصلة أفشلت مجموعة أهداف استراتيجية وليس فقط أهدافا أمنية".
ويعتقد ضيفنا، أنّ المقاومة ستدفع في النهاية المطاف الإسرائيليين للانسحاب من محور فيلادلفيا؛ لأنّه سيجد نفسه أمام تجربة مماثلة لما يحدث حاليًا في نتساريم، وبالتالي سيكون الاحتلال غير قادر على تحقيق الحسم الأمني فيهما لصالحه، ولا مناص حينها إلا بالانسحاب.
وكان ضابط في جيش الاحتلال قد تحدث عن أنّ مقاومي "حماس" اكتسبوا "جرأة متزايدة وينفذون عمليات على محور نتساريم ويوقعون قتلى"، قائلًا: "إنّ الجيش يهدم المزيد من المنازل حول المحور حتى يتيح المجال لقواته البقاء في المنطقة لكن في النهاية تتراجع القوة إلى الخلف، وتتعرض لهجمات من المقاتلين الذين تعلموا مع الوقت أساليب عملنا".