في بقعةٍ صغيرةٍ لا تتجاوز مساحتها 360 كيلو متراً مربعاً وطول لم يجتاز الـ41 كيلو، تنهال القذائف على قطاع غزة من كل حدب وصوب، كزخات مطر في أربعينية الشتاء، وبعد 351 يوماً من القصف والدمار، يمر القطاع بحالة من الإعدام المنتظر، جراء عشرات آلاف الذخائر الصاروخية التي لم تنفجر.
وتشكّل هذه المتفجرات خطراً كبيراً على أهالي قطاع غزة وذلك بعد رصدها في جميع محافظات قطاع غزة، خصوصاً في المنطقة الشمالية وغيرها، وتحديداً تلك التي كانت تتعرض لحزام ناري.
وحذّرت منظمة "هانديكاب إنترناشونال" أمس الجمعة، من أن الذخائر غير المنفجرة هي واحدة من أكبر المشكلات على المدى الطويل في غزة، مؤكدة وجودها في أنحاء القطاع كافة، ما يمنع وصول المساعدات الإنسانية.
وأدلى المسؤول عن مكافحة الألغام في الأراضي الفلسطينية في المنظمة غير الحكومية، نيكولاس أور، بشهادته بعد مهمتين في قطاع غزة.
وقال "أور" إنه بعد قرابة عام من الحرب، أصبحت القنابل وقذائف المدفعية وغيرها من الأسلحة غير المنفجرة موجودة بأصغر الأماكن في غزة، وتمنع وصول المساعدات الإنسانية وإنشاء البنى التحتية الصحية أو الطبية.
وشدد أن الوضع في غزة خطير للغاية، لافتا إلى أن واحدة من أكبر المشكلات في القطاع حاليا هي الوصول إلى المباني المتضررة، جراء وجود الذخائر غير المنفجرة.
وبيَّن أن المدنيين ليس لديهم مكان للجوء إليه لأنه من المستحيل "حماية المدنيين للقيام بتفكيك الأسلحة غير المنفجرة".
بالأرقام..
وفي إطار متابعتها، رصدت "وكالة سند للأنباء" تقارير سابقة لمنظمة "هانديكاب انترناشونال" المعنية بحماية المدنيين من الأسلحة المتفجرة تشير إلى إسقاط طائرات الاحتلال الإسرائيلي 45 ألف قنبلة خلال التسعة والثمانين يومًا الأولى من الحرب أي نحو 505 قنبلة يومياً، مستندةً إلى المكتب الإعلامي الحكومي بغزة في هذه الإحصائية.
وقالت المنظمة في تصريحات صحفية، إن 3 آلاف قنبلة من أصل 45 ألفا ألقاها جيش الاحتلال الإسرائيلي على غزة لم تنفجر، مما يشكل خطرا كبيرا على المدنيين ويعكس حجم الأزمة.
إلى ذلك، حذر تقرير أممي من خطورة مرحلة ما بعد الحرب في قطاع غزة، بسبب 6500 طن من الذخائر غير المنفجرة التي لا تزال مخفية تحت 37 مليون طن من الركام.
وذكر التقرير الصادر عن دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام، أن القاعدة الأساسية التي يعتمدها خبراء المتفجرات هي أن 10% من الذخائر لا تنفجر عند الاصطدام، وهو ما يعني أن ما يقدر بنحو 7500 طن من الذخائر الحية قد تكون منتشرة في جميع أنحاء قطاع غزة.
وأكد رئيس دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام في الأراضي الفلسطينية، مونغو بيرتش، إن الذخائر الحية المقصودة تشمل كل شيء، لافتاً إلى أن "أخطر الأوقات هو عندما يعود الناس إلى منازلهم".
وبحسب تقديرات الأمم المتحدة فإن الكثير من الذخائر الحية مخفي تحت 37 مليون طن من الركام، بحسب تقديرات، مستذكرةً أنّ الأنقاض الموجودة في غزة اليوم هي أكثر من تلك الموجودة في أوكرانيا، مع الإشارة إلى أنّ طول خط المواجهة في أوكرانيا هو حوالي 600 ميل وطول غزة 25 ميلاً.
ألف رطل للذخيرة الواحدة..
وعثر فريق الأمم المتحدة أثناء تفتيشه بمدينة خانيونس جنوب قطاع غزة، على قنابل غير متفجرة تزن الواحدة منها ألف رطل، في التقاطعات الرئيسية ومداخل المدارس، " بحسب تصريحات سابقة للأمم المتحدة".
وأكد الفريق عثوره على قذيفة مدفعية غير منفجرة على بعد أمتار من باب مكتب اللجنة الدولية للصليب الأحمر في مدينة غزة.
واحتاج الفريق العامل إلى شهر كامل لإزالة قنبلة جوية عميقة واحدة بشكل آمن خلال الحروب السابقة، لافتين النظر إلى 10% من الذخائر لا تعمل كما صُممت وهي ما تشكل لاحقا مخلفات الحرب القابلة للانفجار، إلا أن هذه النسبة تتفاوت باختلاف نوع السلاح.
ولم تفصح سلطات الاحتلال الإسرائيلي عن طرازات بعينها من الذخائر التي استخدمتها، لكن خبراء الأسلحة بمنظمة العفو الدولية، يرجحون استخدام قنابل Mark 84 غير الموجهة مع إلحاقها بأجهزة ملاحة لتوجيهها، مرجعين ذلك إلى حجم الدمار في القطاع.
واعتبرت العفو الدولية هذا النوع من القنابل يشكل تحدياً كبيراً لاستخراجه، خاصة في منطقة ذات كثافة سكانية عالية كقطاع غزة.
وبيَّنت أن "التحدي بشأن قنابل مارك 84 يكمن في ضخامتها، حيث تزن نحو 900 كلغ نصفها مواد متفجرة والنصف الآخر من الفولاذ ويمكن أن تصيب المدنيين على بعد مئات الأمتار".
وعلى إثر ذلك، شدد خبراء الأسلحة في المنظمة على ضرورة أن تُنقل هذه القنابل إلى مكان ويتم التخلص منها بشكل آمن، منبهين بخطورة بقاء القنابل غير المنفجرة لفترات طويلة دون إزالتها بشكل آمن، حيث تتراجع قدرات صمامات الأمان بها كلما مر الوقت.
خوف الأهالي..
ورصدت "وكالة سند للأنباء" مخاوف عشرات النازحين في قطاع غزة من العودة إلى منازلهم؛ في ظل وجود بعض المخلفات الصاروخية والقذائف التي لم تنفجر.
ففي منتصف فبراير/ شباط الماضي، وتحديداً في حي الزيتون شرق مدينة غزة، ذكر بعض الأهالي وجود عدد من القنابل غير المنفجرة بين الشوارع، وخصوصاً في شارع وادي العرايس وكشكو وشارع المنصورة الفاصل بين حي الزيتون وحي الشجاعية.
السيد عصام أبو جمعة أحد النازحين مع بدء العملية العسكرية على حي الزيتون، بعدما دُمِّر منزله جزئياً قبل أن يصيب صاروخ آخر أساسات المنزل، وكاد أن يقتلهم لكنه لم ينفجر.
أما أحمد المصري من سكان منطقة بيت حانون، لاحظ وجود صاروخ لم ينفجر أسفل الطابق السفلي للمنزل الذي كان يوجد فيه، فسارع مع الآخرين لإخلاء المنطقة خوفاً من انفجار الصاروخ. موضحاً أن الصاروخ كان يحمل علامة النسر.