في وقتٍ تشهد "إسرائيل" ذروة التأهب والانتشار العسكري، تحسبًا لأي عمليات مقاومة عشية الذكرى الأولى لمعركة "طوفان الأقصى"، جاءت إليها الضربة هذه المرة من النقب المحتل، المنطقة التي يُصنفها الاحتلال بـ "الأكثر أمنًا".
عصر اليوم الأحد قُتلت مجندة إسرائيلية وأُصيب آخرون بجراحٍ متفاوتة بينها حالات خطيرة، في عملية إطلاق نارٍ وقعت في محطة حافلات بئر السبع المركزية نفذها شاب فلسطيني، من النقب قبل أن يرتقي شهيدًا برصاص شرطة الاحتلال.
واستنادًا لما أوردته وسائل إعلام إسرائيلية، فإنّ العملية نُفذت بـ 3 مواقع مختلفة، وأنها كانت مزدوجة وتخللها عملية طعن، ونقلت عن شهود عيان أنّ المنفذ كان يرتدي سترة واقية من الرصاص.
ولاحقًا أوضحت شرطة الاحتلال أنّ المنفذ الشهيد أحمد العقيبي من سكان بلدة حورة في النقب ويحمل "الجنسية الإسرائيلية"، هو أحد أقرباء الشهيد مهند العقيبي الذي نفذ عملية إطلاق نار في الموقع ذاته عام 2015 وأدى وقتها لمقتل جندي إسرائيلي وإصابة آخرين.
تأتي هذه العملية قبيل يومٍ واحد من الذكرى الأولى لمعركة "طوفان الأقصى" التي أطلقتها المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة ضد مستوطنات إسرائيلية بالغلاف؛ وأدت لمقتل وإصابة المئات غالبيتهم من الجنود والضباط، بالإضافة لأسر عدد آخر.
ولطالما مثلت عمليات المقاومة في الداخل الفلسطيني المحتل، هاجسًا أمنيًا مرعبًا في الأوساط الإسرائيلية، في خضمّ حرب الإبادة المستمرة منذ عام على قطاع غزة؛ ودفعها للاعتراف بوجود حرب استنزاف تخوضها في الداخل عبر أدوات الشرطة والشاباك؛ مع وجود إجراءات أمنية غير مسبوقة.
وعدّ مراقبون العملية، تعبيرًا طبيعيًا عن حالة الاحتقان التي تختزن الحالة الشعبية في الداخل، خاصة في النقب وغيرها من المواقع الفلسطينية؛ التي تتعرض بشكل يومي لعمليات هدم وتنكيل بشكل مستمر، وتصاعدت وتيرته في حرب الإبادة الجارية.
وقال رئيس المجلس الإقليمي للقرى غير المعترف بها في النقب عطية الأعسم، إنّ ما حدث تعبير عن حالة الغضب التي تدور في أوساط الفلسطينيين، على ضوء حجم الدمار الذي فاق نسبة 120% عما كان عليه العام الماضي.
وأوضح الأعسم لـ "وكالة سند للأنباء"، أنّ الاحتلال مسح قرابة 35 قرية في النقب بشكل كامل، وهدم ما يزيد عن700 منزل خلال العام الجاري، في ظل التهديد بإبادة 11 قرية يسكنها 8 آلاف مواطن، سيكون العراء مسكنهم؛ حال نفذّت قرارات الهدم.
ووصف عمليات الهدم بـ "غير المسبوقة" في تاريخ النقب، مضيفًا: أنّ "الحكومة الإسرائيلية المتطرفة مارست في الداخل عملية إبادة بشكل صامت، في ظل دمار مهول، يهدف لتسكين المستوطنين في المناطق التي يتم هدمها، خاصة اليهود الحريديم".
وأكدّ أنّ عمليات الهدم والدمار؛ كانت ستخلف حالة انفجار مهما كان بطيئا، والنتيجة الطبيعية أن يؤدي ذلك لتفجير حالة الغضب الشعبي، تحديدا مع جرأة "إسرائيل" غير المسبوقة على الدم الفلسطيني من إبادة وتنكيل وقتل واعدامات.
ويعيش حوالي 300 ألف شخص في النقب، نصفهم فقط في قرى معترف بها من السلطات الإسرائيلية، بينما النصف الآخر في قرى يرفض الاحتلال الاعتراف بها، وتُحرم القرى غير المعترف بها بالنقب، من حقوقها في الخدمات الأساسية مثل الماء والكهرباء والتعليم والرعاية الصحية، وتتعرض لأوامر هدم متكررة.
من جهته، قال القيادي بحركة أبناء البلد في الداخل المحتل لؤي الخطيب، إنّ الانفجار قادم لا محالة في الداخل، ويمثل فقط مسألة وقت، نتيجة السلوك اليمني المتطرف لحكومة الاحتلال؛ الذي يترجمه ما يسمى بوزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير، من خلال أدواته المتمثلة بالشرطة والشاباك والأجهزة الأمنية الأخرى.
وأوضح الخطيب لـ "وكالة سند للأنباء" أنّ سلوك "ابن غفير" يقوم أساسا على فكرة تفجير الأوضاع بمجملها، من خلال المساس الخطير بالمقدسات أولا، ثم بالإنسان الفلسطيني في الداخل، ثم بالأرض الفلسطينية من خلال سياسة التهجير والتشريد والهدم والملاحقة والمصادرة والاستيطان والتهويد.
وأشار إلى أنّ الاحتلال لم يحيّد جبهة الداخل المحتل، بل انخرط في اللحظات الأولى في صبّ لجام غضبه على الجغرافيا الفلسطينية بأسرها، من خلال استهداف مركزّ لساحة الوجود الفلسطيني في مختلف المواقع، مستهدفا الأرض والانسان والمقدسات معًا، وضمن دائرة الإبادة والتهجير واستكمال حلم "البيت الثاني"؛ الذي يعني "ترانسفير" لكل من هو فلسطيني ضمن حدود الجغرافيا الفلسطينية.
وعليه أوضح الخطيب، أنّ النتيجة الطبيعية المتوقعة؛ تكمن في حدوث انفجارات متتالية في مواقع الوجود الفلسطيني المختلفة، والعمل على تفجير الأوضاع بشكل كامل ومتعمد؛ في سياق رغبة الحكومة بتفجير الوضع الفلسطيني بكليته.
وحذر من أن الأوضاع ستنفجر أكثر في سياق، السلوك الإسرائيلي الجامح نحو تفجير الأوضاع في القدس خلال موسم الأعياد الجارية، وهو ما سيعني المزيد من الأحداث؛ التي تمثل عملية بئر السبع واحدة من أوجهها.
هذا وقد بارك الناطق باسم كتائب القسام الذراع العسكري لحركة "حماس" عملية بئر السبع النوعية قائلًا في تغريدة له مساء اليوم: "إن ثقتنا بوطنية أبناء شعبنا في فلسطين المحتلة ثابتة لم تتزحزح ونحن على يقين بأن شباب الداخل قادرون على اجتراح الوسائل الكفيلة بإيلام المحتل وإسناد غزة المكلومة بشتى الطرق الممكنة".
رسائل مزدوجة..
من جهته، بيّن الباحث والمختص في الشؤون الإسرائيلية عمر جعارة، أنّ النقب يمثل تقليديا موقعا متقدما في الأطماع الإسرائيلية الاستيطانية، ويضع عليه آماله، رغم أنها منطقة لم يتم الاعتراف بها لـ "إسرائيل" من الأطراف الدولية كونها احتلت في العام 1952.
وأوضح جعارة لـ "وكالة سند للأنباء" أن النقب يشهد أهم وأخطر المواقع الاستراتيجية الإسرائيلية؛ لهذا عملت دولة الاحتلال على جعلها موقعا استراتيجيا متميزا ومهما في المنظور الاستراتيجي العسكري، وحاول مرارا وتكرارا ترحيل أهلها عنها.
وذكر أن العملية من الداخل؛ تمثل رسائل مزدوجة أولها أن حَملة "الجنسية الإسرائيلية" هم جبهة إضافية؛ إذ لا تستطيع "إسرائيل" أن تمنح إجراءات خاصة تستهدف هذه الفئة، ولا تستطيع أيضا التنبؤ المبكر في إجراءات وسلوك الأشخاص، خاصة في النقب.
ورأى أن الأوضاع مرشحة للانفجار أكثر؛ و"إسرائيل" أوقعت نفسها في فخ كمائن متعدد، نتاج تعمدها الاستمرار في حرب الإبادة التي طالت الشجر والحجر والبشر في قطاع غزة والضفة الغربية.
يشار إلى أنّه قبل أيامٍ قليلة قُتل 7 إسرائيليين وأصيب 9 آخرون بعملية إطلاق نار وطعن في تل أبيب الكبرى نفذها شابان من الضفة الغربية ينتميان لكتائب القسام، قبل أن يستشهد أحدهما ويعتقل الآخر بعد إصابته بجراحٍ خطيرة برصاص شرطة الاحتلال.