تستخدم سلطات الاحتلال الإسرائيلي إخطارات الهدم بذريعة البناء دون ترخيص، كواحدة من الوسائل الاستيطانية لمحاصرة الفلسطينيين ومنعهم من التطور والتوسع العمراني في أراضيهم، تمامًا كما يحدث في أراضي بلدة نحّالين الواقعة إلى الجنوب الغربي لمدينة بيت لحم بالضفة الغربية.
ولا يُخفي سكان البلدة مخاوفهم المتنامية في شأن أن يكون الهدف من سياسة الهدم المتصاعدة منذ عامين، تضييق الخناق عليهم وحَملهم على الهجرة الطوعية من أراضيهم ومنازلهم لصالح التوسع الاستيطاني في عموم الضفة الغربية.
فقبل أيام تفاجأ المواطن أحمد عوض بآليات عسكرية إسرائيلية بينها جرافات وقوات من جنود الاحتلال تهدم منزل عائلته في منطقة "قرنة الدعمس" وتُحوّله لركام دون إعطائه فرصة أخيرة لإجلاء محتوياته.
يقول عوض وهو رب أسرة مكونة من 6 أفراد لـ "وكالة سند للأنباء" إنّه شيّد منزله على مساحة 150 مترًا مربعًا قبل ثلاثة أعوام بهدف التوسع لكنّ الاحتلال لم يُمهله كثيرًا حتى سلّمه بعد أسبوعين من بدء البناء إخطارًا بالهدم.
وعلى إثره رفع قضية أمام محاكم الاحتلال برسوم مالية باهظة لإبطال قرار الهدم، لكن رُفض، ثم عاود مجددًا وسعى بكل الطرق للحصول على ترخيص عبر تقديم طلب جديد لدى مؤسسة إسرائيلية في جنين، دون جدوى.
ويُضيف أنّه كان يعوّل على الطلبات التي تقدم بها من أجل إبطال قرار الهدم، لكن هدير الجرافات الإسرائيلية بددت آماله، مؤكدًا أنّ الاحتلال يسعى لإرغام أهالي البلدة على الهجرة، عبر تضييق الخناق عليهم ومحاصرة البناء والتوسع والنمو الطبيعي الفلسطيني في أراضيهم.
وكانت تبلغ مساحة نحّالين 23 ألف دونم (الدونم ألف متر) في عهد الانتداب البريطاني لفلسطين وفي النكبة 1948، صادر الاحتلال 4 آلاف دونم لتقع في الحدود المحتلة بالداخل، ومثلها صودر خلال حرب النكسة في العام 1967.
ويشير المواطن عوض إلى أنّ 8 مستوطنات إسرائيلية كبيرة باتت تُحاصر أراضي بلدة نحّالين من جهاتها الأربع وتخنق حياة أهلها.
ولم يتبقَ اليوم من أراضي نحّالين سوى 1100 دونم، يسكنها 11 ألف نسمة، وصُنّفت كمنطقة "ب" وفق اتفاق "أوسلو"، و4 آلاف دونم أخرى مصنفة منطقة "ج" وفق تلك الاتفاقية؛ والتي يُحظر على أهالي نحّالين الوصول إليها، وباتت تحت حراب المستوطنين الذين يوسعون مستوطناتهم عليها بين فترة وأخرى.
وسجلت بلدية نحّالين على مدار السنوات الماضية 150 إنذارًا إسرائيليًا بالهدم والتدمير في القرية بذريعة الوقوع في المنطقة المصنفة "ج" وفق اتفاق أوسلو أو البناء دون ترخيص، وهي في الوقت نفسه لا تمنح التراخيص للفلسطينيين الذين يتقدمون لها بذلك، وفق ما جاء على لسان رئيس البلدية جمال نجاجرة.
ويؤكد نجاجرة في تصريحٍ خاص بـ "وكالة سند للأنباء" أنّ بلدته تعتبر في عين العاصفة، إذ يُصنفّها الأولى من حيث الاستهداف بالهدم، مشيرًا إلى أنّ الاحتلال يمنع المواطنين من الوصول لمساحات شاسعة في البلدة بحجة أنها مناطق عسكرية مغلقة.
ويحاول الاحتلال عزل البلدة بشكل كامل عن محيطها وخاصة عن مدينة بيت لحم، بإغلاق كل الطرق المؤدية إليها، باستثناء واحدة، ناهيك مطاردة السكان من خلال إغلاق الطرق الزراعية بالسواتر الترابية، أو المكعبات الإسمنتية أو الحواجز الحديدية.
ويرى نجاجرة أنّ الهدف الكبير لتلك المخططات هو تحويل ظروف البلدة العامة وحياة السكان اليومية لبيئة طاردة تجعل الهجرة هي الخيار الوحيد أمام سكانها؛ للتخلص من المعاناة التي يعيشونها بكل تفاصيل حياتهم.
30% من منازل نحالين مهددة بالهدم..
من جانبه يكشف الناشط الفلسطيني غسان نجاجرة عن أقارم كبيرة للبيوت التي يستهدفها الاحتلال في مخططه بالهدم أو الإخطار بالهدم، إذ بلغت 30% من إجمالي المنازل الواقعة في المنطقة المصنفة (ج) بواقع 500 منزل.
ويقول نجاجرة في تصريحٍ خاص بـ "وكالة سند للأنباء" إنّ غالبية هذه المنازل ينظر في ملفاتها شكليا في المحاكم الإسرائيلية، من بينها 200 منزل شُيّدت خلال السنوات الثلاث الأخيرة خاصة في فترة جائحة "كورونا".
ويشير إلى أنّ أراضي بلدة نحّالين من أكثر المناطق التي تتعرض لهجمة استيطانية شرسة منذ سنوات طويلة لأنها تقع في قلب المنطقة التي يُطلق عليها الاحتلال اسم مخطط "القدس الكبرى" الهادف لضم الضفة الغربية.
ويردف أنّ هجمة الاحتلال تتنوع بين مصادرة وتجريف وقطع الأشجار المثمرة ومنع الأهالي من الوصول لأراضيهم، فضلًا عن هدم المنازل والمنشآت وتخريب الجدران الحجرية فيها.
وأوضح نجاجرة، أنّ ذلك كله يجري بعيدًا عن وسائل الإعلام مستغلين الحرب على غزة، والظروف الأمنية السائدة بالتزامن مع توقف النظر في القضايا أمام المحاكم الإسرائيلية؛ تمهيدا للمخطط الهادف للتهجير بكل الوسائل الممكنة.
ووسّع جيش الاحتلال منذ بداية العام 2024 الجاري من عمليات هدم المنشآت الفلسطينية في الضفة الغربية بما فيها المنازل، فضلا عن تهجير آلاف الفلسطينيين والتجمعات السكانية خاصة في المنطقة "ج" الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية.
ويقول مدير مركز القدس للخدمات القانونية عصام العاروري لـ "وكالة سند للأنباء" إنّه طواقمهم وثقت خلال العام الجاري هدم نحو 1600 منزل ومنشأة فلسطينية وهو أكبر رقم جرى رصده خلال عام واحد منذ تسعينيات القرن الماضي.
وينوه العاروري إلى أنّه ومنذ تشكل حكومة الاحتلال الأخيرة عام 2022 التي تضم وزراء متطرفين نسبة تراخيص البناء التي منحتها سلطات الاحتلال للفلسطينيين في الضفة تساوي صفر بالمئة.
ويردف أنّ الاحتلال يضع عقبات عدة أمام التراخيص والاعتراضات على إخطارات الهدم والمصادرة من خلال تواجد موظف واحد فقط للمتابعة واستقبال الطلبات، إضافة لنقل المراجعة لكافة ملفات الضفة بمنطقة جنين، عدا عن إصدار أوامر عسكرية جديدة تتيح للاحتلال الهدم في المناطق المصنفة (أ) و(ب) وهدم المنازل القريبة من المستوطنات أو الشوارع أو المنشأة العسكرية.
وحسب العاروري فإن بلدة نحالين واحدة من أربع بلدات تقع ضمن قرى العرقوب جنوب غرب بيت لحم وهي "وادي فوكين وبتير وحوسان ونحالين" وتشهد حملات واسعة من الاستهداف وتحيط بها مستعمرات إسرائيلية كبرى.
ويتحدث عن مخطط مشروع استيطاني ضخم يخترق أراضي قرى العرقوب، بما فيها مناطق بتير الزراعية والتراثية الأثرية عالميا، محذرًا من عودة سلطات الاحتلال لخطط تهجير الفلسطينيين، وإعداد الخرائط الاستيطانية حيث أنّ القرى المذكورة تعتبر الثانية بالضفة في الاستهداف بعد الأغوار الفلسطينية.