بروح طفولية تائهة، وببراءة عمر لم يتجاوز أصابع اليدين الصغيرتين، وبعينين شاردتين، وذهنٍ مرهق من الصدمة، تقول "كأنه حلم". كان هذا أول ما نطق به لسان الطفلة مها مهنا، مبتورة الساق، بالحديث عن مشهد إصابتها التي لم تستوعبها بعد، وقد غيّرت حياتها رأسا على عقب، وكانت بداية انعكاس دنياها إلى ما آلت إليه الآن.
وفي ليلة من ليالي الحرب التي لا تكاد تخلو من قصف طائرات الاحتلال التي تلفظ حقدها هنا وهناك على كل أرجاء قطاع غزة، كانت الطفلة "مهنا"، ابنة الأعوام التسعة، نائمة لتستيقظ على ما حسبته بادىء الأمر بـ "الحلم"، لكنه الواقع الذي ارتطمت بحقيقته بعد أن تيقنت أن غارة إسرائيلية جعلت "الدنيا مولعة" والنيران تبث لهبها في كل مكان، وتجد نفسها على إثر ذلك بقدم وساق واحدة، وعليها أن تكابد الحياة بلا أبٍ، وتصبح سندها وأخواتها بحياتهم الآن هي جدتها التي معها.
بملامح تبدو عليها الصدمة والتيه، تروي الطفلة مها التي تتلقى العلاج في مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح، وسط قطاع غزة، لـ "وكالة سند للأنباء" حكاية إصابتها تلك الليلة في 12 ديسمبر/ كانون الأول 2024، التي لم تكن فقط على مشارف نهاية عام، بل حتى على فقدان ونهاية حيواتٍ، وتبدّل أحوال، فتستقبل عاما جديدا في 2025م، بطفولة يتيمة مبتورة، ووح هي كذلك أيضا.
"كأنه حلم"..
"أول إشي صحيت، اطّلعت حواليا لقيت الدنيا مولعة، حاولت أني أتحرك يمين وشمال ما قدرت، فقلت هادا شكله حلم، ويمكن مش حقيقة، فحاولت أرجع أنام... بعدها تأكدت أنه هادا حقيقة وأنا صاحية، حاولت أرجع أتحرك ما قدرت..." تصف "مهنا" لحظة قصف غارة إسرائيلية لعائلتها التي أسفرت عن استشهاد أبيها وأعمامها الخمسة، في مخيم النصيرات للاجئين، وسط قطاع غزة، وهو المكان الذين كانوا يتآوون فيه بعد جولات نزوح متكررة منذ بدء الحرب واضطرارهم _كأغلب الغزيين_ مغادرة مناطقهم قسرا من شمال وادي غزة بالقطاع المنكوب إلى جنوبه.
وفي تفاصيل إنقاذها من وسط الركام، تحكي الطفلة "كان في عمارة قدامنا واقعة علينا من القصف، فأجى الرجال وحملوني، وربطولي رجلي عشان النزيف، وجابوا إخواتي جمبي، ورنوا بعدها على الإسعاف، واستنينا حتى وصل ورحت على المستشفى".
وبعد رحلة تنقلٍ بإصابة الطفلة "مهنا" من مستشفى العودة بالنصيرات، إلى المستشفى الميداني الأمريكي في المحافظة الوسطى، مروا بـ مستشفى شهداء الأقصى، حيث تتلقى العلاج الآن، ترقد ابنة الأعوام التسع على سرير، مبتورة الساق، وبيديها دميتها الصغيرة، وتسترجع بعضا من ذكريات أليمة، وترجو آمالا عادية، هي مجرد حقوق بالأساس لطفلة بعمرها.
لا أحد الآن..
"كل أعمامي وخوالي استشهدوا، مين حييجي هلقيت ياخدني"، بهذه الإجابة المؤلمة تسترجع الطفلة "مهنا" لحظة من إحدى تنقلاتها بين المستشفيات، عندما قالت لها الطبيبة بعد السيطرة على نزيفها، وإعطائها جرعات من العلاج، ولفّت ساقها المبتورة "هلقيت رح ننقلك على مكان تاني، وييجي حد من أهلك يروحِك"، لترد عليها الصغيرة مها بهذا الألم، وهي التي استشهد أباها وأعمامها وفاقدة لأخوالها كذلك. فباتت في انتظار لقدوم من يرعاها ويكون معها إلى أن قدمت جدتها، فهي الآن في كنفها.
ولا تعاني الطفلة المصابة مبتورة الساق من فقدان إحدى أطرافها فحسب، بل حتى الالتهابات والحروق يداهمون رجليها الاثنتين، بما فيهما حتى مما تبقى من التي قد بُترت.
أمنيات بسيطة
وفي نظرة بريئة وأمنيات بسيطة، تختصرها مها بكلمات "نفسي أسافر وأطلع برة وأتعالج، ويركبوا لي رجل عشان أعرف أعيش حياتي، لأني نفسي أرجع أتحرك، وأنا بدون رجل ما بعرف أعيش، فبدي أعرف أرجع أروح ع المدرسة، وأمشي، وأعيش زي كل الأطفال بالدنيا".
وتُظهِر بساطة ما تتمناه "مهنا" كيف باتت الطفولة بقطاع غزة مبتورة، ويتيمة، ومذبوحة من الوريد إلى الوريد، وتشتهي الحصول على حقوقها، وتستجدي للحصول عليها، ولا أحد يحرك ساكنا، والأطفال في كل يوم من واقع سيء إلى آخر يزداد سوءا في ظل تواصل هذه الإبادة.
واستنادا لآخر المعطيات الرسمية الفلسطينية، والمحلية والدولية، فإن الحرب على قطاع غزة تسببت في أكثر من 11 ألف حالة بتر أطراف، من بينها 4 آلاف حالة بتر بحق الأطفال، ولا تتوفر لهم أطراف صناعية ومتطلبات العلاج اللازمة بقطاع غزة المحاصر، فيما يواصل الاحتلال المنع والتضييق من حقهم بالسفر والعلاج، كحال كل المرضى والمصابين في القطاع.
بتر الأطراف وآثاره النفسية
وسبق أن سلط رئيس قسم الصحة النفسية بمستشفى شهداء الأقصى، بدير البلح، وسط قطاع غزة، الضوء على الآثار النفسية الكبيرة التي تخلفها عمليات البتر على أصحابها، بالحديث، الطبيب عرفات أبو مشايخ لـ "وكالة سند للأنباء" بأن "فقدان أحد الأطراف، وتغير مظهر الجسم، وعدم القدرة على أداء الأنشطة اليومية يسبب ضائقة نفسية هائلة".
وحول مراحل هذه الصدمة النفسية التي تتشكل إثر عملية البتر، يقول الطبيب "أبو مشايخ": "إنها رحلة تبدأ بالإنكار وتنتهي فقط بالقبول، والعديد من الناس لا يصلون إلى هذه النقطة بشكل كامل"، مستدركا القول: "غالبًا ما أواجه نفس السؤال المحزن من الأطفال: هل ستنمو ساقي مرة أخرى؟ ولا أستطيع الإجابة عليهم لأنهم لا يفهمون بعد حقيقة وضعهم".
ويختم الطبيب "أبو مشايخ" حديثه بالأسف على الواقع المأساوي الحالي بقطاع غزة على البُعد النفسي، في ظل عدم وجود مراكز للأطراف الاصطناعية أو مرافق كافية للصحة العقلية في غزة، لافتا إلى "الحاجة إلى المزيد من المتخصصين في الصحة العقلية لمساعدة مبتوري الأطراف، وخاصة الأطفال منهم على التكيف".