لا ينتهي الليل في غزة عندما تُطفأ الأنوار، بل يبدأ صراعٌ آخر؛ صراعٌ صامت، متكرّر، ومرهق، مع طنين بعوضة صغيرة، تكشف كم باتت الحياة في هذا القطاع المحاصر أشبه بكابوسٍ طويل.
ومع قدوم فصل الصيف، ترتفع درجات الحرارة، وتغيب الكهرباء، وتتحول البيوت ومراكز الإيواء والخيام إلى علبٍ مغلقة خانقة، لا نوافذها تردّ الحشرات، ولا أسقفها تعزل صوت الطائرات.

في مثل هذه الليالي، لا يستطيع الغزيّ أن ينام، لا خوفًا من القصف فحسب، بل من بعوضة تقتات على جسده المنهك، كأنّ الحرب لم تترك جزءًا إلا واستباحته.
ومع غياب وسائل التبريد وانقطاع الكهرباء، يضطر آلاف الفلسطينيين في غزة إلى النوم وهم مكشوفو الأجساد والنوافذ، لعلّ نسمةً عابرةً تُخفف من وطأة الحر، لكن هذه الأبواب المفتوحة تتحول إلى ممراتٍ مجانية لجيوشٍ من البعوض، تقتحم البيوت كما تفعل الطائرات، بلا استئذان.
وسائل مبتكرة..
يقول أبو ياسر حرب، أبٌ لخمسة أطفال يسكن في أحد أحياء مدينة غزة: "في الليل، لا نعرف من أين تأتي البعوضة، لكنها حاضرة دائمًا".

ويضيف في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء": "نحاول إشعال أوراق الزيتون اليابسة لطردها، لكن الدخان يخنق الأطفال قبل أن يخنق الحشرات".
وابتكر أهل غزة وسائل بدائية لمقاومة هذه الكائنات الصغيرة؛ فلا رفاهية لديهم لشراء مبيدات أو أجهزة كهربائية، فالكهرباء نفسها ترفٌ غير مضمون.
أم محمود الصيفي، وهي أمٌ لثلاثة أطفال، تستخدم مزيجًا من الخل والماء وترشّه على حواف النوافذ والأبواب لطرد البعوض.
وتحدثنا: "قرأتُ على الإنترنت أن رائحة الخل تطرد البعوض، لا أعلم إن كان ذلك صحيحًا، لكني أجرّب كل ما يمكن أن يحمينا. أطفالنا لا يستطيعون النوم، وجلدهم مليء بعلامات اللدغات".

ويستخدم آخرون شبكاتٍ قديمة لصيد السمك كناموسياتٍ مؤقتة، يثبتونها على الأسرة بأربطةٍ وحبال، وبعضهم يملأ أوعيةً من الماء ويضع فوقها قطراتٍ من زيت الطعام ليمنع فقس بيض البعوض، حسب نصائح متوارثة.
تفاصيل مؤرقة..
ودمّرت الحرب البنية التحتية، ومياه الصرف الصحي المتراكمة في الأزقة والأحياء المنكوبة خلقت بيئةً خصبةً لتكاثر البعوض، بينما يصمت العالم عن تفاصيل المعاناة اليومية التي لا تُروى عادة في نشرات الأخبار.
سارة الهسي، طالبة جامعية تحاول الدراسة تحت ضوء شمعة، بينما تمسح دموعها من أثر لدغةٍ مؤلمة، وتقول: "نحن لا نطلب تكييفًا أو أسرّة فاخرة، فقط نريد أن ننام من دون خوف، من دون ألم، من دون طنين في الأذن ودم ينزف من جرحٍ صغير سببه بعوضة".
وتضيف لـ "وكالة سند للأنباء" أنّ قرصة البعوض من شدتها قد تؤدي إلى خروج الدم من الجلد، معبرة عن خوفها بأن تُصاب بمرض جلدي بسبب اللدغات، مشيرةً إلى أنّه لا يوجد أدوية لمكافحة البعوض أو تخفيف آلام قرصته.

في غزة، حتى البعوض أصبح جزءًا من تفاصيل الإبادة. لا مكان آمن، لا نوم هادئ، لا راحة لأجساد أرهقتها الحرب والحرّ والفقر. إنها ليست مجرد لسعة، بل علامةٌ جديدة على جسدٍ محاصر، يعاني كل يوم من ألف جرح… وبعضها لا يُرى بالعين المجردة.
ارتفاع مقلق بالأمراض الجلدية..
وتحدثت تقارير إعلامية عن أنّ 17% من الأمراض المعدية المنتشرة بين المواطنين في غزة سببها البعوض، مشيرةً إلى تسجيل 83 ألف حالة جرب، و48 ألف طفح جلدي، و7300 حالة جدري الماء، حتى يونيو/ حزيران الماضي.

وفي هذا السياق، يقول مدير دائرة الطب الوقائي بوزارة الصحة الفلسطينية، أيمن أبو رحمة، إنّ الفرق الطبيّة رصدت ارتفاعًا خطيرًا في نسبة الإصابة بالأمراض الجلدية والأمراض المعدية خلال أشهر الحرب.
ويشير أبو رحمة، في حديثٍ خاص بـ "وكالة سند للأنباء" إلى أنّ هذه الإصابات تزداد بشكل كبير بين النازحين، في مراكز الإيواء ومخيمات النزوح.
ويوضح أن سببها انتشار النفايات الصلبة وتراكم المياه الراكدة والصرف الصحي؛ وانعدام مقومات الصحة العامة والفردية؛ وعدم توفر مواد النظافة الشخصية؛ مع انتشار كثيف للقوارض والحشرات؛ خاصة البعوض والذباب التي تعمل كنواقل للأمراض.
من ناحيته، يؤكد رئيس قسم الأطفال في مجمع ناصر الطبي بخانيونس جنوب القطاع، أحمد الفرا، أنّ العشرات من الحالات المصابة بالتهابات الجلد البكتيرية؛ تتوافد للمستشفى يوميا، منوهًا إلى هذا النوع من الالتهابات لم يشهده القطاع قبل العدوان.
ويُضيف الفرا، في تصريحٍ خاص بـ "وكالة سند للأنباء"، أن السبب المباشر هذه الأمراض، هو تلوث المياه؛ وانقطاع المياه الصالحة للاستعمال؛ تراكم النفايات في الشوارع وبين خيام النازحين، ما يُهيء البيئة لتفشي الأمراض المعدية والجلدية.
