الساعة 00:00 م
الخميس 04 يونيو 2026
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
25° غزة
3.85 جنيه إسترليني
4.05 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.33 يورو
2.87 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

"غزة الآن".. 9 شهداء و15 جريحا في 12 خرقا إسرائيليا جديدا لـ "الهُدنة"

صبري: لن نسمح بالتدخل في شؤوننا الدينية والآذان حق ثابت لا يمس

ترجمة خاصة.. الغارديان: البحث عن أساسيات الحياة بغزة تحول لخطر مميت

حجم الخط
وداع الشهداء في غزة.jpg
غزة- وكالة سند للأنباء (ترجمة خاصة)

في ظل الحصار الإسرائيلي المشدد على قطاع غزة منذ أكثر من 11 أسبوعًا وحظر إدخال أي إمدادات إنسانية، أصبح الحصول على أبسط مقومات الحياة تحديًا يوميًا، ومصدر خطر دائم على المدنيين، وخاصة الأطفال، بحسب ما أبرزت صحيفة الغارديان البريطانية.

وسلطت الصحيفة الضوء على قصة مأساوية تجسد هذا الواقع المأساوي هي جريمة قتل الطفلين كرم الغصين (9 سنوات) وأخته لولو (10 سنوات) في غارة جوية إسرائيلية استهدفت محطة توزيع مياه قريبة من مخيم النصيرات، حيث كانا ينتظران مع عدد من الأطفال لملء دلاءهم بالمياه.

يوم الأحد الماضي، وبينما كان كرم ولولو يحملان دلاء وجرار الماء في صف طويل أمام محطة توزيع المياه، ضربت الغارة المكان، ما أدى إلى قتل ستة أطفال وأربعة بالغين وإصابة 19 آخرين، معظمهم أطفال.

لم يكن كرم ولولو بين الحشود الواسعة، بل كانا يقفان بجانب المحطة مباشرة عندما وقع الانفجار المروع الذي مزّق أجسادهما إلى أشلاء، وشوّه وجهيهما إلى حد منع والدهما من رؤيتهما للمرة الأخيرة.

والدتهما، هبة الغصين، وصفت الحادثة بصعوبة بالغة: "لم يسمحوا لي أن أودعهم أو حتى أن أنظر إليهم، عانقني أحد إخوتهم محاولًا إخفاء المشهد عني وهو يبكي ويحاول مواساتي. بعد ذلك فقدت صلتي بالواقع."

كرم كان طفلاً ذكيًا ومتفوقًا في مدرسته، لكنه بات وحيدًا مع عائلته بعد وفاة شقيقته الصغيرة.

كان "أبو شريك"، كما يناديه والده، مولعًا بلعبة سيارة تعمل بالتحكم عن بعد، وكان يتمنى لو تمكن من اللعب بها مرة أخيرة قبل أن يغادر الحياة. لولو، أو "اللؤلؤة" كما يحب والداها مناداتها، كانت تتمتع بشخصية مرحة وقلب مليء باللطف.

الطفلان كانا يحلمان باليوم الذي سترفع فيه سلطات الاحتلال حصارها عن غزة ليتمكنا من تذوق الشوكولاتة والمعكرونة وأطباقهما المفضلة. لولو تحب المسخن، وكرم كان يعشق الشاورما. أحلام بسيطة باتت مستحيلة في ظل الحصار وغياب الماء والطعام.

حصار مستمر يدفع غزة إلى حافة المجاعة والعطش

فرضت دولة الاحتلال الإسرائيلي حصارًا شاملاً على القطاع منذ مارس/آذار 2025، مما أدى إلى أزمة غذائية حادة وانعدام الوقود الضروري لتشغيل محطات المياه وشبكات الصرف الصحي.

وفي ظل نقص الوقود، توقفت معظم محطات تحلية المياه، وتحولت غزة تدريجيًا إلى "جفاف من صنع الإنسان" حسب تحذيرات اليونيسف في يونيو/حزيران.

الجهود المستمرة من منظمات الإغاثة لم تكن كافية لتوفير كميات المياه اللازمة لسكان غزة، حيث تتكرر انقطاعات المياه، ويتسبب قصف المحطات بشلل شبه كامل لشبكة توزيع المياه.

ومع ارتفاع درجات الحرارة، باتت المياه الثمينة هدفًا للحشود التي تصطف لساعات طويلة على نقاط التوزيع، معرضةً نفسها للمخاطر اليومية.

في هذا السياق، أُجبر والد هبة على إرسال طفليه لجلب الماء، وهو ما كان يبدو أقل خطورة من البحث عن الطعام في نقاط التوزيع التي عادة ما تتعرض لقصف إسرائيلي شبه يومي. لكنه كان "حكمًا بالإعدام" كما تبين في الغارة الأخيرة.

قصف محطة المياه: مشهد مروع في قلب غزة

علي أبو زيد، أحد شهود العيان، قال إنه كان من أوائل من وصلوا لموقع الانفجار، حيث وجد الأطفال ملقين على الأرض بدمائهم ملطخة، وملامحهم مشوهة بأشلاء القصف. وصف المشهد بأنه "كان كابوسًا حقيقيًا" لا يمكن محوه من الذاكرة.

الفرق الطبية تأخرت في الوصول بسبب شدة القصف، وكانت معظم الإصابات مميتة، حتى لو وصلت سيارات الإسعاف، لم يكن هناك ما يمكن فعله.

أشرف الغصين، والد الأطفال، عاش كابوسًا فقدان فلذات كبده وهو يحاول البحث عنهم في المستشفيات، ليجد جثثهم المشوهة أمامه.

قال الرجل المكلوم "عندما رأيتهم بهذه الحالة، شعرت كأن قلبي يُطعن بالسكاكين. ما زلت في صدمة مستمرة، أخشى فقدان بقية عائلتي وأشعر أن عقلي سينفلت مني."

تدمير مقومات الحياة والقتل العمد

زعم الجيش الإسرائيلي أن القصف كان نتيجة "خلل فني" في استهداف أحد النشطاء، مع فتح تحقيق في الحادث. لكن هذا التبرير لم يقنع العائلة أو سكان غزة الذين يشكون أن مثل هذه الأخطاء لا تحدث إلا بحسن نية أو أنها أعذار لتبرير ممارسات عسكرية ممنهجة.

الأب أشرف استغرب كيف يمكن أن يحدث خطأ في منطقة صغيرة يعرف الجيش تفاصيلها بدقة: "لديهم أحدث التقنيات ويعلمون أين تقع كل نقطة، فكيف يكون هذا مجرد خطأ أدى لمقتل طفليّ؟"

المأساة تكشف عن الجانب المظلم للحصار والسياسات الإسرائيلية التي حولت كل محاولة للحصول على ماء أو طعام إلى مخاطرة قاتلة، لا سيما للأطفال.

تداعيات الحصار على العائلات

عائلة الغصين لا تملك القدرة المالية على تغطية نفقات دفن الأطفال، فدفنوا بجانب والد هبة في مقبرة صغيرة، مع خوف دائم من فقدان الصغار الناجين بسبب سوء التغذية وندرة المياه.

هبة تحكي عن معاناة الأسرة: "ننام جائعين ونستيقظ جائعين وعطشى، لا نملك حفاضات لأصغر طفل، ولا ماء كافياً للغسيل، والمحطات بالكاد تعمل."

وهي تختم بمرارة: "العالم يرى كل شيء ويغمض عينيه."

وختمت الغارديان بأن جريمة قتل كرم ولولو الغصين ليست مجرد مأساة فردية، بل هي شاهد صارخ على واقع إنساني مأزوم في غزة، حيث أصبح الحصول على أبسط مقومات الحياة مخاطرة تهدد الموت، وتحول الطفولة البريئة إلى كابوس يومي.

هذه القصة تؤكد أن السياسة والحصار والقصف لم تترك للمدنيين، خصوصًا الأطفال، سوى أن يكونوا ضحايا غير مباشرين في حربٍ لم يُختاروا لها، ومآلاتها تظل كارثية، لا سيما في ظل استمرار العدوان والاحتلال وغياب حل دولي فاعل لإنقاذ المدنيين الأبرياء.