الساعة 00:00 م
الخميس 04 يونيو 2026
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
25° غزة
3.85 جنيه إسترليني
4.05 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.33 يورو
2.87 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

هنادي سكيك تحوّل فاجعة فقدان عائلتها إلى شهادة إنسانية في كتاب "بأي ذنب هُدمت"؟

الاحتلال يعتقل 16 مواطنًا خلال اقتحامات بالضفة

10 شهداء و15 جريحا في 13 خرقا إسرائيليا جديدا لـ "هُدنة غزة"

ترجمة.. نيويورك تايمز: المجاعة في غزة جريمة كبرى تهدد العالم بأسره

حجم الخط
المجاعة في غزة2.jpg
غزة- وكالة سند للأنباء (ترجمة خاصة)

في مقال مؤلم نُشر في صحيفة نيويورك تايمز، أطلق محمد منصور، مدير أول للتغذية في لجنة الإنقاذ الدولية، نداءً إنسانيًا صارخًا يسلّط الضوء على مأساة المجاعة في غزة، ويدعو المجتمع الدولي إلى التحرك العاجل لإنقاذ أرواح المدنيين، وخصوصًا الأطفال الذين يواجهون خطر الموت جوعًا في ظل الحصار الإسرائيلي المستمر.

الصرخة التي نقلتها واحدة من أعرق الصحف الأميركية لم تكن مجرد توثيق لحالة طبية أو إنسانية، بل كانت شهادة حية من ممارس ميداني على كارثة تلامس حدود الإبادة الجماعية عبر التجويع.

إذ أن منصور لم يكتف بنقل الأرقام والإحصاءات، بل وضع العالم أمام مسؤولياته: "هؤلاء ليسوا أرقامًا. إنهم أناس أراهم كل يوم، أعيش بينهم، ويحملون ذات الألم".

2 مليون إنسان يعانون الجوع

يقول منصور في مقاله إن غالبية سكان غزة يكابدون مستويات "كارثية" من انعدام الأمن الغذائي – وفق التصنيف العالمي – في واحدة من أسوأ أزمات الجوع في العصر الحديث.

وذكر أن عشرات آلاف الأطفال والنساء يعانون من سوء تغذية حاد، مما يجعلهم معرضين لخطر دائم، مشيرًا إلى أن "هذا هو التشخيص الأقسى في درجات انعدام الأمن الغذائي، ولا يحتمل التأجيل".

وأوضح أن الوضع في غزة خرج تمامًا عن السيطرة منذ مارس/آذار، عندما شدّد الاحتلال حصاره ومنع دخول المساعدات الغذائية والدوائية، ما تسبب بانهيار متسارع في الوضع الصحي، خاصة بين الرضع والأطفال الصغار، الذين بدأوا يعانون من أمراض مرتبطة بالجوع، مثل الهزال الحاد، والإسهال المزمن، والتقزّم.

الجوع القاتل: الموت البطيء للأطفال

في وصف مؤثر، روى منصور حالة طفل يبلغ من العمر عامين حاول إنقاذه هذا الشهر. الطفل، الذي كان يعاني من سوء تغذية حاد، تدهورت حالته بسرعة وتوفي "لأننا لم نكن نملك شيئًا لإنقاذه"، كما قال الطبيب المنكوب. وتابع: "كثير من أطفال غزة ربما لا يشفون أبدًا من آثار الجوع الذي يعانون منه الآن، حتى لو نجوا جسديًا".

وأضاف أن الأمهات يأتين إلى العيادات التي تديرها المنظمة الدولية، بعد ساعات من المشي حاملات أطفالهن المنهكين من الجوع، ويسألن بأسى: "هل سينجو طفلي؟ هل لديكم طعام أو حليب؟"، لكن الجواب غالبًا ما يكون صمتًا مؤلمًا، بسبب نقص الإمدادات.

وانتقد منصور بشدة نظام توزيع المساعدات الذي تتحكم به دولة الاحتلال، واصفًا إياه بأنه لا يعمل، وغير إنساني، وخطير.

وأوضح أن هذه المنظومة قائمة على فتح مواقع توزيع داخل مناطق عسكرية إسرائيلية، لفترات قصيرة ودون سابق إنذار، ما يدفع الجائعين إلى التجمهر أمام الجنود، ويتسبب مرارًا في سقوط ضحايا بسبب إطلاق النار العشوائي.

وأكد أن "المئات قتلوا وهم ينتظرون المساعدات، والمعابر مغلقة، والتصاريح تتأخر، والوقود مفقود، والمياه ملوثة، والإمدادات الطبية شبه معدومة"، مشددًا على أن ما يُعرض في الإعلام الإسرائيلي من صور توزيع منظّم للأغذية هو مجرد دعاية لا تصمد أمام الواقع المرير.

التضحية الصامتة: آباء يتخلّون عن وجباتهم

لم يكن الأطفال وحدهم محور المأساة. فبحسب منصور، كثير من الآباء "يمضون أيامًا دون طعام كافٍ، ويتخلّون عن وجباتهم حتى يتمكن أطفالهم من أكل ما توفر، حتى لو كانت بقايا خبز أو ماء ممزوج بالطحين".

وأضاف: "رأيت رجالًا ينهارون لأنهم لا يملكون ما يقدّمونه لعائلاتهم. وهذا الانهيار لا يتعلق بالجوع فقط، بل بالكرامة أيضًا".

ووصف منصور ظروف عمله في أحد ملاجئ دير البلح، قائلاً إنه يعمل أغلب الأيام في مراكز مكتظة لا تتوفر فيها أدنى المقومات، مشيرًا إلى أن زملاءه يعيشون ذات المأساة التي يواجهونها يوميًا. "كل واحد منا فقد شيئًا: بيتًا، أهلًا، أصدقاء، لكننا مصرون على البقاء، ومساعدة الناس على البقاء على قيد الحياة"، قال منصور.

وأوضح أنه لم يرَ والدته منذ شهور، بسبب إغلاق الطرق وتعرضها للقصف. تعيش والدته في رفح، وهي بحاجة إلى رعاية طبية عاجلة، لكنه لا يستطيع الوصول إليها، مضيفًا: "الخطر في كل مكان. نحن نعيش في سجن مفتوح، والقلق لا ينام".

نداء في وجه العالم

اختتم منصور مقاله بنداء لا يقتصر على المساعدات الطارئة، بل يطال جوهر المأساة: إنهاء الحصار ووقف القصف. ودعا المجتمع الدولي لتحمّل مسؤولياته، ووقف هذه الجريمة المستمرة بحق المدنيين، قائلًا: "نحن لا نطلب المستحيل. نطلب فقط أن يأكل أطفالنا، أن يناموا دون خوف، أن نحصل على الماء، والدواء، والكرامة".

في النهاية، يكتب منصور: "غزة اليوم لا تحتاج خطابات ولا تضامنًا لفظيًا. إنها تحتاج إلى أفعال. إنها بحاجة إلى أن يراها العالم – لا كأزمة سياسية – بل كجريمة إنسانية كبرى. المجاعة ليست قدرًا. إنها قرار. ومن يتفرج عليها شريك فيها".

وهذه الصرخة، ليست فقط شهادة طبية. إنها وثيقة إنسانية تُدين صمت العالم، وتضعه أمام مسؤوليته التاريخية: إما أن تُرفع المجاعة، أو يسقط العالم في هاويتها.