قالت صحيفة الغارديان البريطانية إنه بينما يشتد الخناق الإنساني على سكان غزة جراء الحصار الإسرائيلي الشامل، تظهر صورة دعائية مخادعة تحاول حكومة الاحتلال ترويجها للعالم: مواقع توزيع مساعدات تنثر وجبات الطعام في أحياء مدمرة، بادعاء إنساني زائف يخفي وراءه آلة تجويع منظمة.
وفي مقال تحليلي نشرته صحيفة الغارديان، فضح الخبير الإنساني "أليكس دي وال"، الذي عايش مجاعات بيافرا وإثيوبيا وكتب عنها لأربعة عقود، زيف الرواية الإسرائيلية حول مساعدات الغذاء، مؤكداً أن ما يُقدَّم لسكان غزة ليس سوى ستار من دخان يخفي جريمة أكبر: تدمير المجتمع الفلسطيني عبر التجويع الممنهج والإذلال الجماعي.
مجاعة غزة: ليست أزمة طعام بل جريمة مجتمع
يرى "دي وال" أن المجاعة في غزة تجاوزت حدود المؤشرات الغذائية أو حسابات "عدد الوجبات اليومية". إنها لحظة انهيار مجتمعي، حيث يُجبر الناس على تقمص أدوار البقاء الحيواني في مواجهة العدم.
فالأم التي تخبئ طعامًا عن أبناء عمومتها، أو العائلة التي تبيع خاتم الجدة مقابل وجبة واحدة، ليست مشاهد عابرة بل دلالات على تآكل النسيج الاجتماعي تحت وطأة الجوع والقصف والإذلال.
ويشدد "دي وال" على أن ما يحدث اليوم في غزة – كما شاهده هو نفسه في مناطق الإبادة والمجاعة – لا يحتاج إلى تقارير تقنية أو تعريفات بيروقراطية: "من يعرف المجاعة حين يراها، يرى غزة اليوم".
صندوق "مساعدة" أم أداة للهيمنة؟
الجهة التي تسوّق نفسها باعتبارها منقذًا إنسانيًا في غزة هي مؤسسة تسمى "صندوق الإغاثة الإنساني لغزة" (GHF)، المدعومة من الاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة.
تدّعي هذه المؤسسة أنها توزع يوميًا مليوني وجبة غذائية عبر أربع نقاط "آمنة" في القطاع. لكن "دي وال"، بتحليل دقيق، ينسف هذه الرواية من جذورها.
أولاً، يشير إلى أن هذه الوجبات تمثل أقل من نصف الحد الأدنى من احتياجات سكان غزة، حسب تقديرات الأمم المتحدة. أي أن الجوع لا يُزال بل يُدار، كأداة تحكم سياسي واجتماعي.
ثانيًا، لا يصل الغذاء إلى الأشد فقرًا وضعفًا. فالنظام أشبه بإلقاء الفتات في حوض ماء لتتنازعه الأسماك. لا يوجد نظام استهداف للفئات الأشد هشاشة: الأرامل، الأيتام، كبار السن، أو الأطفال المصابون بسوء التغذية الحاد. لا يوجد توزيع عادل، ولا ضمان لوصول الطعام إلى من يستحقه.
ويُقدَّم نظام التوزيع الإسرائيلي كمثال للانضباط والأمان. لكن الحقيقة على الأرض مرعبة: المواقع الأربع للتوزيع كلها داخل مناطق عسكرية أو على أطرافها، ولا يُعلن عن فتحها إلا في اللحظة الأخيرة، ما يدفع آلاف الجائعين للمبيت بين الأنقاض في انتظار الفرصة.
ويعلم الجميع، بما فيهم الأطفال، أن السبيل الوحيد "للحصول على وجبة" هو الاقتراب من الجنود الإسرائيليين المسلحين، الذين لا يترددون في إطلاق الرصاص الحي لتفريق الحشود. وهذه ليست حوادث فردية، بل نمط متكرر. إن "نقاط التوزيع الآمنة"، كما يسميها الاحتلال، ليست سوى مصائد موت جماعية.
من يأكل؟ ومن يموت؟
يتساءل "دي وال" بمرارة: من ينجو ليأكل؟ هل الأم التي تجر طفلين وسط الركام؟ هل العجوز الذي لا يستطيع المشي؟ هل الطفل المعاق الذي لا يمكنه الركض؟ بالطبع لا. هؤلاء يبقون في مؤخرة السلسلة الغذائية، ويُتركون للموت في صمت.
حتى المساعدات نفسها لا تفي بالحاجة: لا أغذية طبية متخصصة مثل "بلامبي نت" للأطفال المصابين بسوء التغذية، لا فرق تمريض أو دعم نفسي، لا مياه نظيفة، ولا وقود لطهو الطعام. كيف يُطلب من أمّ بلا منزل أو ماء أو كهرباء أن تطهو العدس والأرز والطحين؟
والنتيجة، كما يراها "دي وال"، ليست مجرد كارثة إنسانية. إنها فعل إبادة مقصود. فإسرائيل لا تسعى فقط لتجويع الناس، بل لإهانتهم، لتمزيق عائلاتهم، لإذلال الأمهات، ولتحطيم المجتمع الفلسطيني من داخله.
ويصف ذلك بأنه "جوهر الجريمة": استخدام الجوع كسلاح، وتقديم مسرحية الإغاثة لتغطية الجريمة. إن المؤسسة التي تدّعي أنها تقدم الطعام، هي ذاتها من تمنع وصول الطعام الحقيقي، وتطلق النار على الجائعين، وتحرم المحتاجين من الحد الأدنى من الكرامة.
تواطؤ دولي وصمت أممي
ما يزيد الطين بلة هو صمت الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية، التي تكرّر أن "هناك مساعدات جاهزة للدخول"، بينما تقف عاجزة أمام السيطرة الإسرائيلية الكاملة على المعابر، والرقابة على نوعية المساعدات، ورفض إدخال الوقود أو معدات الطهو.
بل أن المتحدثين الإسرائيليين يتهمون الأمم المتحدة نفسها بأنها تحتجز المساعدات في مستودعاتها، وكأنها المسؤولة عن الجوع، في مفارقة تكشف عن حرب دعائية موازية تستهدف عقول الرأي العام الغربي.
وفي ختام مقاله، يوجه "دي وال" رسالة مباشرة للعالم: لا تنخدعوا بمصطلحات "الغذاء"، "الإغاثة"، و"الإنسانية". ما يحدث في غزة ليس تجربة فاشلة في توزيع المعونات، بل منهج منظم لتدمير المجتمع عبر التجويع والترويع والإذلال.
إن دولة الاحتلال وفق ما يراه هذا الخبير الإنساني، لا تبالي إن عاش الفلسطينيون أم ماتوا، بل تريد فقط أن لا يُلقى عليها اللوم. ولأجل ذلك، صنعت مؤسسة إغاثة على مقاس الحرب، لا على مقاس الضحايا.
وإلى أن يُرفع الحصار بالكامل، وتُستبدل هذه "الإغاثة القاتلة" بممرات إنسانية حقيقية تحترم كرامة الإنسان، سيبقى مشهد الجائعين على أبواب الموت في غزة شهادة دامغة على جريمة لم يعد العالم قادرًا على التستر عليها.
