على مدى سنوات، عاش نحو 163 أسيرا محررا من سكان الضفة الغربية في ضيافة أبناء شعبهم في قطاع غزة؛ عانوا ما عانوه من حصار وحروب، وتزوجوا وأنجبوا وكوّنوا أسرًا، قبل أن يستهدفهم الاحتلال بعمليات اغتيال ممنهجة طالت العشرات منهم، لتختلط دماؤهم بدماء أهل غزة في رباط مقدس.
وتشير أحدث المعطيات الصادرة عن مؤسسات الأسرى إلى أن الاحتلال الإسرائيلي اغتال في قطاع غزة 31 مبعدا من الضفة الغربية والقدس من محرري صفقة "وفاء الأحرار" التي أُبرمت في العام 2011 بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال، بالإضافة لأحد مبعدي كنيسة القيامة عام 2002.
ووفقا لمركز فلسطين لدراسات الأسرى، فإن الاحتلال اغتال غالبية هؤلاء المحررين مع عائلاتهم، بمن فيهم الأطفال والنساء، من خلال قصف خيامهم وأماكن نزوحهم التي لجؤوا إليها كغيرهم من سكان قطاع غزة.
وأكد المركز، في بيان سابق، أن جرائم اغتيال المحررين في صفقات التبادل ليست منفصلة عمّا يجري في قطاع غزة من حرب إبادة جماعية طالت البشر والحجر.
وبيّن أن الاحتلال يستهدف المحررين في "جريمة إعدام ممنهجة" تهدف إلى تصفية حسابات قديمة معهم، كونهم نفذوا عمليات موجعة قبل اعتقالهم وتحررهم قسرًا ضمن الصفقة.
آخر المبعدين المستهدفين كان الأسير المحرر محمود إبراهيم دحبور من مخيم عين بيت الماء غربي نابلس، والذي عاش تجربة الاعتقال ثم الإبعاد، وأخيرا ارتقى شهيدا إثر غارة استهدفته في بلدة الزوايدة وسط قطاع غزة في الثامن من يوليو/ تموز الجاري.
اعتقل دحبور في العام 2006 وحكم عليه بالسجن المؤبد، قبل أن يفرج عنه في صفقة "وفاء الأحرار" ويبعد مع عشرات من المحررين إلى قطاع غزة، ليبدأ هناك حياة جديدة.
بين أهلي وإخواني
ورغم معاناة البعد عن عائلته، وجد دحبور في غزة أهلا آخرين، ومع ذلك لم ينقطع تواصله مع أهله في الضفة حتى الدقائق الأخيرة قبل استشهاده، وتزوج وأنجب 3 بنات ليكنّ ثمرة رباط مقدس بين غزة والضفة.
وفي مقابلة صحفية بعد وصوله لقطاع غزة، قال دحبور: "أنا بين أهلي وإخواني في غزة. لقد فتحوا لي قلوبهم قبل بيوتهم، واستقبلوني كما حصل بين المهاجرين والانصار.. قاسموني أموالهم، وزوجوني ابنتهم، ولم يبخلوا عليّ بشيء".
وبكلمات ممزوجة بالدموع، يقول سامر، شقيق الشهيد دحبور: "طوال السنوات الماضية وفي فترة الحرب لم تنقطع اتصالانا بمحمود، وكلما سمعنا بحدوث مجزرة أو غارة نتواصل معه، وعندما ينقطع الاتصال لعدة أيام كان يصيبنا توتر شديد".
ويضيف لـ"وكالة سند للأنباء": "كنت أتواصل معه يوميا، ولا أخرج من بيتي قبل أن أتكلم معه. كان يقول لي أن الدنيا ضاقت عليّ، وضاقت عليّ الأرض بما رحبت.. أشعر بالاختناق، فقد رأيت الكثير من المشاهد الصعبة".
ويستذكر سامر مدة الـ15 يوما التي قضاها هو وعدد من أفراد عائلته في قطاع غزة والذي نزلوا به لحضور مراسم خطبة شقيق المبعد، وما لقوه من كرم ضيافة وحسن استقبال.
وأشار إلى أنهم اضطروا لمغادرة القطاع لانتهاء مدة التصريح، على أمل العودة مجددا لحضور حفل الزفاف، لكن الاحتلال رفض إصدار تصريح لهم مرة أخرى، فأتم محمود حفل زفافه بغياب عائلته.
ويصف سامر حياة شقيقه محمود قائلا إنه "تزوج غريبا، وعاش غريبا بعيدا عن أهله، واستشهد غريبا".
فصول المعاناة
في بداية حرب الإبادة، كان دحبور يسكن حي الرمال بمدينة غزة، ولما اشتدت الحرب البرية واقتربت قوات الاحتلال من بيته، اضطر لترك منزله والتوجه إلى مستشفى الشفاء، ليعيش فصلا جديدا من معاناة أهل غزة، ويلامس جراحهم وآلامهم.
وينقل شقيقه عنه قوله: "دخلت مستشفى الشفاء بشخصية محمود الدحبور، لكن الحياة هناك جعلت مني إنسانا آخر، وشعرت باختلاف كبير في نفسي، فحملت كل جزء من جسم البشر.. حملت اليد، والرجل، والبطن، والرئة، والرأس، والمخ".
ويضيف محمود: "مكثت في مستشفى الشفاء شهرين شعرت خلالهما بأنني طبيب أو ممرض، وأنني يجب أن أكون في هذا الموقع".
وأشار سامر إلى أن شقيقه غادر مستشفى الشفاء باتجاه رفح جنوب القطاع عند اقتراب جيش الاحتلال من المستشفى، واستأنف حياته هناك في مساعدة الناس قبل أن يجتاح الاحتلال المدينة أواسط العام الماضي.
ونقل سامر عن أحد أنسباء شقيقه تفاصيل اللحظات الأخيرة قبل استهدافه، والذي قال: "كان محمود يقف معنا، فاستأذننا مبتعدا لإجراء مكالمة، وفي تلك اللحظة رنّ هاتفه وهو على بُعد 10 أمتار عنا، وبمجرد أن فتح هاتفه استهدفته طائرة مسيّرة بصاروخ".
نزوح ودماء
أما الأسير المحرر بلال زراع، من بلدة كفر نعمة شمال غرب رام الله، فقصته لا تختلف في جوهرها عن بقية المبعدين الشهداء، وإن اختلفت في التفاصيل.
اعتُقل زراع في العام 2004، وحكم عليه بالسجن المؤبد، ثم أفرج عنه في صفقة "وفاء الأحرار"، لكن حريته كانت منقوصة، فقد أُبعد عن أهله وقريته، إلى غزة التي أحبها وعوضته عن بعض ما خسره، فتزوج وأنجب طفلين.
وفي رسالة مصورة إلى عائلته بالضفة، ظهر المحرر زراع داخل خيمة النزوح في غزة وهو يرسل التهاني لعائلته بحلول العيد، معبرا عن اشتياقه لهم، ومتمنيا لقاءهم قريبا.
لكن الاحتلال لم يمهله لتحقيق أمنيته فاغتاله رفقة مجموعة من محرري "وفاء الأحرار" المبعدين، وهم أمجد أبو عرقوب من الخليل، ومحمود أبو سرية من جنين، ورياض عسيلة من القدس، بالإضافة إلى ناجي عبيات من بيت لحم وهو من مبعدي كنيسة المهد، وذلك بقصف خيمتهم في خانيونس جنوب القطاع.
ويقول سياف شقيق الشهيد زراع لـ "وكالة سند للأنباء": "الحمد لله الذي اصطفاه مع الشهداء"، ويضيف: "دماؤنا ليست أغلى من دماء إخواننا في غزة".
وتابع قائلا: "شعبنا اعتاد على تقديم الشهداء، وهذه طريقنا مخضبة بالدماء، ونتاجها نصر وتحرير وتمكين بإذن الله".
وأكد سياف أن شقيقه عاش سنوات الإبعاد "مفجوعًا بالشوق لعائلته" في كفر نعمة، ولا يكل من الاتصال بهم.
وأشار إلى أن الإبعاد حرم شقيقه من وداع والده الذي رحل في العام الماضي، "وحتى الأعياد كانت تأتي عليه ثقيلة؛ يرسل التهاني عبر عدسة كاميرا لا تلمس وجوه أحبّته، ويخفي الوجع خلف ابتسامة المغتربين عن كل شيء".
وفي غزة، ظل المحرر زراع حاملًا قضيته حتى آخر رمق، وينقل عنه شقيقه قوله: "نُبعد عن أرضنا، لكننا لا نُبعَد عن قضيتنا".
وختم سياف بالقول: "صحيح أن بلال استُشهد بعيدًا عن حضن أمه، لكنه أقرب من أي وقت مضى إلى أرضه".
