في قطاع غزة، لم تعد الكرامة مصونة، ولم تعد الكاميرا رمزًا للحقيقة، ولم يعد الذهب زينة النساء؛ بل أضحى كل شيء قابلًا للمقايضة والتنازل عنه مهما بلغت قيمته، إن تعلّق الأمر بكيس طحين يسد رمق الجوع.
في زمن التجويع القسري، تسقط الاعتبارات أمام صرخة طفل يقول: "أريد قطعة خبز". هناك، حيث يُفرض الحصار واقعًا خانقًا، يضطر الصحفيون والمواطنون للتخلي عن أثمن ما يملكون، ليس رفاهية، بل فقط من أجل البقاء.

صحفي يُقايض ذاكرة 20 عامًا..
"أعرض أرشيف 20 عامًا من ذاكرة غزة المصورة مقابل كيس طحين لأطفالي الجائعين"، كتب الصحفي فادي ثابت عبر صفحته في وسائل التواصل، في صرخة تحمل وجع الصحافة والإنسان معًا.
فادي، الذي وثّق الحروب والدمار والبطولات والدموع، لم يجد في أرشيفه اليوم ما يُشبع طفلًا أو يملأ معدة خاوية. وقال في منشور لاحق: "إذا متنا جوعًا أنا وأطفالي، فأنتم خصماؤنا يوم القيامة."
الكاميرا مقابل الطحين
أما الصحفي بشير أبو شعر، فعرض هو الآخر أغلى ما يملكه — كاميرته — للمقايضة مقابل كيس طحين.
وقال أبو شعر في حديثه لـ"وكالة سند للأنباء": "الصحفي يعيش من الكاميرا، لكنها لم تعد تُطعم أبناءنا." وتابع: "أستيقظ على صوت ابنتي تقول: أريد قطعة خبز. لا أستطيع نسيان هذا الصوت. نحن نصور الجوع ونعيشه في آن واحد."
أبو شعر، الذي يعيل سبعة أطفال، بينهم طفلة مصابة بمرض نادر، أوضح أن ابنته بحاجة إلى الكالسيوم بشكل دائم: "إذا نزل مستواه تحت 3.5 تدخل في غيبوبة. كنت أشتري بيضة بـ15 شيقل. اليوم لا أملك شيئًا لأشتريه."

خواتم الزفاف مقابل الغذاء..
لم يقتصر المشهد على الصحفيين، فأم محمد، وهي سيدة خمسينية من حي الزيتون، وقفت أمام أحد محال الذهب تبكي، واضعة آخر ما تبقّى لديها من مجوهرات. قالت: "خواتمي، هديتي من زوجي يوم زفافي، بعتهن بكيس طحين. ابني مريض، لم يأكل منذ يومين. أي ذهب يبقى وطفلي يئن من الجوع؟"
المحامية تبيع أدواتها
المحامية رندة إلياس وجدت نفسها تمسح دموعها وهي تفرّغ حقيبتها أمام بائع أجهزة مستعملة، قائلة: "بعت لابتوب عملي، وهواتف أولادي، حتى هاتف ابنتي التي تدرس الطب، فقط لأشتري كيس طحين."
وأضافت لـ"سند": "لم أعد أملك ترف الوقت لبيعه بسعر أعلى. الجوع لا ينتظر. لم أعد أصدق أننا وصلنا إلى هذا الحال. في السابق كنا نرافع في المحاكم لأجل العدالة، اليوم نرافع أمام بائع دكان نتوسل كيس طحين."
هنا، في غزة، الحياة تسير فوق الجراح. كرامة الصحفي تُقايض بكيس طحين، وذهب الأمهات يُباع على ناصية الجوع، ومحامية تتخلى عن أدواتها لتُنقذ أبناءها من موت بطيء.
ليست هذه فصولًا من كتاب تاريخ، بل واقع يومي لشعب يُذبح على مهل أمام مرأى العالم. فهل من أحد ما زال يسمع؟
واشتدت فصول المجاعة التي يعيشها أهالي قطاع غزة، مع استمرار إغلاق المعابر منذ شهور وفرض إغلاق وحصار مطبق، مُنعت خلاله قوافل المساعدات من دخول القطاع، ما فاقم الأوضاع الإنسانية وأوصل القطاع إلى مستويات غير مسبوقة من المجاعة وسوء التغذية.
وقال المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إن المجاعة المميتة والقاتلة التي ينفذها الاحتلال أدت حتى الآن إلى استشهاد 127 فلسطينيًا، بينهم 85 طفلًا، مؤكدًا أن الاحتلال يُمارس ضغطًا إنسانيًا قذرًا ضد 2.4 مليون إنسان من خلال استمرار إغلاق المعابر ومنع إدخال المساعدات وحليب الأطفال.
فيما تظهر بيانات وزارة الصحة الفلسطينية أن أكثر من 260 ألف طفل دون سن الخامسة يعانون من نقص غذائي حاد، قد يودي بحياتهم في أي لحظة.
