في تطور لافت على مسار الجهود السياسية لوقف الحرب في غزة، رصد مراقبون ومحللون تبدلاً ملحوظًا في الموقف الأميركي من الاتفاق المطروح، وسط مؤشرات متزايدة على أن واشنطن لم تعد تضغط باتجاه إنجاح التهدئة، بل تسير في اتجاه معاكس ينسجم مع الرؤية الإسرائيلية.
فبعد جولة مفاوضات استمرت لنحو 3 أسابيع رافقها تصريحات أمريكية والمتكررة بشأن قرب الوصول إلى هدنة جديدة في غزة، تفاجأ الجميع، بانقلاب في اللهجة الأمريكية، تمثّل باتهام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الجمعة الماضية، حركة "حماس" بالتنصل من الوصول إلى اتفاق، وعرقلة المباحثات التي تجري في العاصمة القطرية الدوحة.
وسبقه موقف مماثل للمبعوث الأميركي لمنطقة الشرق الأوسط سيتف ويتكوف، إذ زعم أنّ "حماس" تتلاعب يالمفاوضات وتعرقلها، معلنًا انسحاب وفد واشنطن المشارك في مفاوضات الدوحة.
جاء ذلك بعد وقت قصير من إعلان حكومة الاحتلال الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو، إعادة وفد التفاوض من الدوحة "للتشاور"، من دون الإشارة لأي عراقيل، ليتحدثوا لاحقًا عن "بدائل أخرى" للتعامل مع ملف أسراهم بغزة، دون الإفصاح عن المزيد من التفاصيل.
حركة "حماس" بدورها استغربت من التصريحات الأمريكية، مؤكدةً أنها "تتعارض مع تقييم الوسطاء لموقفها، ولا تنسجم مع مجريات المسار التفاوضي، الذي كان يشهد تقدّماً فعلياً، وكانت الأطراف الوسيطة، وخصوصاً قطر ومصر، تعبّر عن ارتياحها وتقديرها لموقفنا الجاد والبنّاء".
فيما قالت قطر ومصر إنهما تواصلان جهود الوساطة في المحادثات الرامية إلى إنهاء الحرب في قطاع غزة، وأكدتا أن تعليق المفاوضات لعقد مشاورات هو "أمر طبيعي".
ويؤكد خبيران في الشأن السياسي أن ما يجري على الأرض هو جزء من مناورة أميركية – إسرائيلية مدروسة تهدف إلى كسب الوقت، وفرض وقائع ميدانية وسياسية جديدة على المقاومة الفلسطينية، قبل العودة إلى طاولة التفاوض بشروط مختلفة وأكثر إجحافًا.
وقال الكاتب والمحلل السياسي المتخصص في الشأن الإسرائيلي، نظير مجلي، إنّ "إسرائيل" تسعى بكل ما أوتيت من أدوات لإفشال المساعي الجارية للتوصل إلى اتفاق تهدئة، وتعمل على الضغط على الوسطاء، خصوصًا مصر وقطر؛ من أجل دفعهم للضغط على المقاومة الفلسطينية لقبول اتفاق يخدم المصالح الإسرائيلية، لا تلك التي تحفظ الحقوق الفلسطينية.
وأضاف مجلي لـ "وكالة سند للأنباء": "نحن أمام مفترق طرق خطير، وهناك أمل بأن ينجح المصريون والقطريون في استدراك الأمور، وأن يتمكنوا من تحسين شروط الاتفاق، لكن إسرائيل تبذل جهودًا مستمرة لتخريبه، فمصلحة نتنياهو الآن هي بقاء الوضع بلا اتفاق، رغم ضغوط الجيش والمعارضة وعائلات الأسرى والإدارة الأميركية وبعض الدول العربية".
وأوضح أن "هناك اعترافا إسرائيليا داخليا بأن الاتفاق ممكن ويمكن التجسير عليه، لكن الإرادة السياسية لدى نتنياهو مفقودة؛ فهو يناور ليُفشل الاتفاق من جهة، ويكسب وقتًا من جهة أخرى ليتجاوز عقدة الانتخابات التي يدرك جيدًا أنه على الأرجح سيخسرها".
واعتبر مجلي، أن "إسرائيل" تتصرف بمنطق القوة المجردة، مضيفًا: "الثمن الإنساني المدفوع في غزة عشرة أضعاف مما يمكن وصفه بحسابات الدفاع عن النفس(..) هذه تصرفات طرف يريد كسب الوقت وتعقيد المشهد".
وأشار إلى أن "الولايات المتحدة بدورها خرجت من موقع الوسيط النزيه، واتخذت موقفًا صارخًا أقرب إلى الرؤية الإسرائيلية، وهي تمارس ضغوطًا على الوسطاء العرب لإجبار "حماس" على التنازل، بل وتُغض الطرف عن عمليات تخريب متعمدة للمفاوضات الجارية، سواء في قطر أو مصر".
وعن الخطوة التالية التي من الواجب اتخاذها، يرى مجلي أنّ "المطلوب هو موقف استراتيجي من الدول العربية والمجتمع الدولي، فالقضية أكبر من مجرد اتفاق. نحن أمام أزمة مستمرة وخطر متصاعد، ليس فقط في غزة، بل في الضفة الغربية أيضًا، حيث ترتكب إسرائيل جرائم ممنهجة. في المقابل، هناك حراك دولي – عربي وغربي – يتنامى للمطالبة بإقامة دولة فلسطينية، لكن إسرائيل تضغط على فرنسا وتبحث عن قنوات أخرى في أوروبا لإفشال هذا التوجه".
وختم مجلي تصريحه بالقول: "هذه لحظة مفصلية. إما أن ينتصر منطق الحكمة والعدالة، أو تترك المنطقة لمزيد من الفوضى والدمار".
تفريغ الاتفاق!
من جهتها؛ أكدّت الناشطة الفلسطينية والأستاذة الجامعية في الولايات المتحدة، رباب عبد الهادي، أنّ الإدارة الأميركية تُمارس ضغوطًا سياسية مكثفة على قوى المقاومة من أجل تمرير اتفاق يتماشى مع المقاسات الأمنية والعسكرية لدولة الاحتلال، ويُبقي على واقع غزة المدمرة والمجوعة، ويُمهّد لبيئة طاردة للفلسطينيين.
وقالت عبد الهادي في تصريح لـ "وكالة سند للأنباء"، إنّ "الولايات المتحدة لا تسعى لاتفاق عادل أو متوازن، بل تريد فرض صيغة تضمن بقاء الاحتلال عسكرياً، وتُعيد إنتاج الأدوات التي تستخدمها "إسرائيل" لابتزاز الفلسطينيين والسيطرة على مفاصل حياتهم، من الماء والكهرباء حتى الحق في السكن والوجود".
وأضافت: "هذا الاتفاق ليس سوى غلاف سياسي لاتفاق عسكري خالص، هدفه شرعنة الاحتلال وإخضاع الفلسطينيين لحالة دائمة من التهديد والضغط والابتزاز، وصولاً إلى تدابير قهرية تُرغم السكان على مغادرة غزة، في إطار مخططات التهجير الزاحف".
ورأت عبد الهادي أن الموقف الأميركي لا يمكن فصله عن السياق العسكري والسياسي الداعم لدولة الاحتلال.
وأوضحت أن واشنطن تسعى لتكريس الواقع العسكري الإسرائيلي عبر أدوات سياسية ظاهرية، تتيح لـ "إسرائيل" تحقيق أقصى ما يمكن تحقيقه من أهدافها التوسعية والاستئصالية، "خاصة من خلال تجويع الفلسطينيين واستدامة ما يسمى بالآلية المساعدات الأمريكية التي تحوّلت إلى مصائد موت جماعية.
ورغم ذلك، عبّرت عبد الهادي عن تفاؤلها تجاه المتغيرات الدولية المتسارعة، مشيرة إلى أن هناك تحولًا ملموسًا في مواقف عدد من الدول الغربية تجاه جوهر الصراع.
وتابعت: "نشهد اليوم نزوحًا دوليًا متزايدًا نحو الاعتراف بدولة فلسطينية، وهناك وعي متنامٍ –حتى في داخل أمريكا– بأصل الصراع، وبضرورة الاعتراف بالهوية السياسية للفلسطينيين وحقهم في إقامة دولتهم".
وشددت أنّ "الإدارة الأميركية تدرك خطورة هذه المتغيرات على مشروع الهيمنة الإسرائيلية، ولهذا تسارع إلى تطويق اللحظة التاريخية باتفاق يخدم الاحتلال، ويُفرغ أي تحوّل سياسي دولي من مضمونه، عبر تكريس الدمار والتجويع وغياب الأفق السياسي داخل قطاع غزة".
