في ظل ظروف صعبة وبعيدا عن عائلتيهما، تمكن الطالبان محمد إبراهيم أبو شاهين وعدي رضوان أبو كاس من قطاع غزة، من انتزاع بطاقة النجاح في امتحان الثانوية العامة "التوجيهي"، وهما على سرير العلاج في مستشفى النجاح الجامعي بمدينة نابلس شمال الضفة الغربية.
وصباح اليوم الأحد، أعلنت وزارة التربية والتعليم نتائج الدورة الأولى لاختبارات الثانوية العامة للعام الدراسي 2024 - 2025، في وقتٍ حُرم آلاف الطلبة في قطاع غزة من اجتياز هذه المرحلة للعام الثاني التوالي؛ بسبب حرب الإبادة المتواصلة على القطاع.
الطالب أبو شاهين، وهو من حي الشجاعية شرقي مدينة غزة، وصل إلى نابلس للعلاج قبل يومين من اندلاع حرب الإبادة، وعاش ظروفا صعبة توجت باستشهاد شقيقيه في قصف إسرائيلي خلال فترة الامتحانات، واستطاع اجتياز الثانوية العامة بمعدل 82.5% في الفرع الأدبي.
وبينما كان يطالع صور شقيقيه الشهيدين، قال أبو شاهين لـ"وكالة سند للأنباء": "فرحتي لا تكمل وغزة تباد.. وغزة تحت الدمار والقصف.. وغزة مجوعة".
وأضاف: "فرحتي ناقصة بوجودي في الغربة بعيدا عن أهلي، لكن الحمد لله الذي عوضني بأهل جدد في نابلس وكانوا خير أخوة وسند لي".
وأشار إلى الدعم المعنوي الذي كان يتلقاه من عائلته في غزة رغم ما تعيشه العائلة من أوضاع قاهرة تحت القصف والتجويع، وقال: "أهلي كانوا يمدونني بالعزيمة والإصرار في مكالماتهم معي، وأبي كان يقول لي أن الاعتماد على النفس أساس النجاح، وأنا قررت أن أعتمد على نفسي".
وأكد أن الاحتلال الإسرائيلي في غدره وقسوته "زرع في قلوبنا الإصرار على النجاح والتقدم والتفوق".
معنويات عالية
ورغم ظروفه الخاصة والقتل والدمار في غزة، يتمسك أبو شاهين بالأمل ويتحلى بمعنويات عالية، وقال: "عندي ثقة بالنفس ومناعة ضد اليأس".
وأضاف: "تحلو الحياة إذا ابتسمنا، ولكنها ابتسامة خارجية أما في الباطن فالقلب ممزق لما حدث معي ومع أهلي، ومع ذلك يجب أن نتأقلم ونتعايش مع الواقع".
ويعتبر أبو شاهين أن لغزة دين في أعناق أبنائها، وقال "غزة في أعناقنا، وسوف نعمرها إن شاء الله".
ووجه رسالة لأهل غزة أكد فيها ضرورة التحلي بالصبر والرضى بقضاء الله وقدره، وقال: "ربنا يبتلي المؤمن ليختبره، وعلينا أن نصبر فالصبر مفتاح الفرج، وإن شاء الله أن يكون عوضنا في الآخرة".
كما وجه رسالة لطلاب غزة الذين لم تسنح لهم الظروف بالتقدم للثانوية العامة هذا العام، قال فيها: "اصبروا، فكل تأخيره فيها خيرة، ولو كنت بينكم فعوضي على الله".
فرحة منقوصة
أما الطالب أبو كاس، وهو من المحافظة الوسطى بقطاع غزة، فيتلقى العلاج من مرض سرطان الدم، ويرقد في مستشفى النجاح الذي وصل إليه قبل 5 شهور من الحرب، واستطاع إكمال دراسته والنجاح في التوجيهي بمعدل 72.4 في الفرع الأدبي.
وقال أبو كاس لـ"وكالة سند للأنباء": "الحمد لله أنني تحديت ظروفي ونجحت، لكن فرحتي ناقصة في ظل الظروف القاسية التي يعيشها أهلي في غزة، وفي ظل وجودي بعيدا عن أهلي".
وأشار إلى أن الدعم المعنوي الذي تلقاه من أهله وإخوته ساهم برفع معنوياته وتشجيعه لإكمال تعليمه.
ولفت إلى الاحتفاء الذي لقيه من المرضى والطواقم الطبية في مستشفى النجاح فور إعلان النتائج، والذين أبدوا إعجابهم بإصراره على النجاح رغم ظروفه الاستثنائية.
ووجه رسالة لزملائه الطلبة في قطاع غزة قال فيها: "إن شاء الله تتحقق الهدنة وتتهيأ الظروف ليكملوا دراستهم ويتقدموا للتوجيهي وينجحوا كما نجحت".
ويأتي إعلان نتائج الثانوية العامة "التوجيهي" في الضفة الغربية، بما فيها مدينة القدس، وفي مناطق الشتات، في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي والحصار المفروض على قطاع غزة، الذي حرم آلاف الطلبة من التقدّم للامتحانات.
وأشار وزير التربية والتعليم العالي أمجد برهم، خلال إعلان نتائج الثانوية العامة اليوم، إلى استشهاد أكثر من 16 ألف طالب وطالبة، ونحو 750 معلمًا ومعلمة في قطاع غزة، إضافة إلى تدمير 27 مدرسة بالكامل، بما فيها من كوادر وسجلات.
وأشار برهم إلى أن طلبة العام 2005 في قطاع غزة تمكنوا من تقديم امتحاناتهم وسط الركام، وأن العمل جارٍ لتمكين دفعات 2006 و2007 من التقدّم لاحقًا، مؤكدًا أن عقد الامتحان في غزة هو "رسالة إلى العالم بأن منطق التعليم أقوى من منطق القوة".
ويشهد قطاع غزة أوضاعا كارثية منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، في ظل استمرار حرب الإبادة الإسرائيلية على القطاع، والتي خلّفت أكثر من 205 آلاف بين شهيد وجريح، فضلا عن تدمير واسع للبنى التحتية، وتهجير قسري لأكثر من 85% من سكان القطاع.
واشتدت فصول المجاعة التي يعيشها أهالي قطاع غزة، مع استمرار إغلاق المعابر منذ شهور وفرض إغلاق وحصار مطبق، مُنعت خلاله قوافل المساعدات من دخول القطاع، ما فاقم الأوضاع الإنسانية وأوصل القطاع إلى مستويات غير مسبوقة من المجاعة وسوء التغذية.
