كشف موقع Middle East Eye البريطاني عن تحقيق استقصائي موسّع يسلط الضوء على حملة ترهيب غير مسبوقة يتعرض لها المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية، كريم خان، على خلفية ملاحقته القضائية لقيادات إسرائيلية بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة والضفة الغربية.
وتُظهر وثائق وشهادات ومراسلات سرية أن دولة الاحتلال إلى جانب حلفاء غربيين، شنت حملة مركّبة ضد خان بهدف إرغامه على وقف مذكرات الاعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير جيشه السابق يوآف غالانت. وقد شملت هذه الحملة:
تهديدات مباشرة وغير مباشرة.
ضغط دبلوماسي من حكومات غربية.
محاولات تشويه السمعة من خلال اتهامات ملفقة بالتحرش والاعتداء الجنسي.
تحركات من جهاز الموساد في لاهاي لرصد تحركات المدعي العام.
تهديدات بوقف تمويل المحكمة والانسحاب من نظامها القانوني.
وبحسب مصادر اطلع عليها الموقع، فإن الهدف الأساسي من الحملة هو منع إصدار أو تنفيذ مذكرات التوقيف التي تمثل سابقة تاريخية في محاسبة قادة دولة حليفة للغرب على جرائم حرب.
الموساد في لاهاي... وتحذير من التصفية
في واحدة من أخطر فصول التقرير، ورد أن وكالات الاستخبارات الهولندية أعربت عن قلقها بشأن نشاط غير اعتيادي للموساد الإسرائيلي في مدينة لاهاي، حيث مقر المحكمة الجنائية الدولية. وقد اعتُبر هذا النشاط تهديدًا مباشرًا على سلامة المدعي العام وفريقه القانوني.
هذا التهديد تزامن مع حملة دعائية تقودها وسائل إعلام إسرائيلية وأمريكية تتهم خان بسوء السلوك الجنسي، رغم غياب أي أدلة مثبتة أو تعاون من المُشتكية المزعومة مع التحقيقات الداخلية والخارجية.
ومن أبرز ما كشفه التحقيق، أن وزير الخارجية البريطاني السابق ديفيد كاميرون وجّه تهديدًا مباشرًا إلى خان مفاده أن المملكة المتحدة ستنسحب من المحكمة وتوقف تمويلها إذا تمضي قُدمًا في إجراءات اعتقال نتنياهو.
أما السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام، فقد هدد خان خلال مؤتمر عبر الهاتف قائلًا: "إذا نفذت أوامر الاعتقال، فالأفضل أن تطلق النار على الرهائن بنفسك... سنعاقبك".
وبالتوازي، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على كريم خان وعدد من القضاة في المحكمة، في تصعيد غير مسبوق ضد مؤسسة قضائية دولية.
عرض مقايضة في فندق في لاهاي
وثيقة سرية أخرى أظهرت أن المحامي الإسرائيلي البريطاني نيكولاس كوفمان، وخلال اجتماع في فندق بلاهاي مع خان وزوجته، قدم عرضًا باسم مستشار نتنياهو "للنزول عن الشجرة"، على حدّ تعبيره، مقابل إعادة تصنيف مذكرات الاعتقال إلى سرية.
كوفمان، الذي يعمل ضمن فريق الدفاع في المحكمة، أنكر كونه مفوضًا رسميًا، لكنه أقر بتقديم عرض "شخصي"، محذرًا خان من أن "الاستمرار في الإجراءات يعني تدميرك وتدمير المحكمة".
والتقرير يكشف أيضًا أن خان لم يكن يواجه التهديد من الخارج فقط، بل واجه معارضة شديدة داخل المحكمة نفسها. فبعض المسؤولين داخل مكتب المدعي العام، وعلى رأسهم مساعده توماس لينش، عارضوا منذ البداية ملاحقة القادة الإسرائيليين، خشية تأثير ذلك على تمويل المحكمة أو سمعتها.
لينش، الذي كلّف سابقًا بالتنسيق مع دولة الاحتلال، متهم بتعديل بيان رسمي أصدره خان، واستخدام علاقته الشخصية مع زوجته للضغط عليه داخليًا. كما أنه كان أول من أحال مزاعم التحرش للتحقيق، رغم تعبيره لاحقًا عن "شكوكه" حولها.
ضغط إعلامي مسموم... واختراق خصوصية خان
التقرير الاستقصائي يُشير إلى حملات تشويه إعلامية منسقة ضد كريم خان، تضمنت تسريبات متعمدة للصحفيين تحتوي على مزاعم جنسية وبيانات شخصية، وصولًا إلى نشرها مصحوبة بكلمات عبرية، في إشارة ضمنية إلى تورط عناصر إسرائيلية.
كما كشفت رسائل نصية بين المشتكية وخان عن علاقة مهنية ودية بينهما، مما يضعف مزاعم الاعتداء. إلا أن تلك الرسائل سُربت بشكل انتقائي، واستُخدمت ضمن الحملة الإعلامية ضد المدعي العام.
ورغم شراسة الحملة، أعلن خان في مايو 2024 عن طلب مذكرات اعتقال ضد نتنياهو وغالانت. غير أن هذا الإعلان شكّل ذروة التصعيد ضده.
إذ بعد أيام، أُجبر خان على أخذ إجازة، في ظل تحقيق مستمر لم يُثبت شيئًا حتى الآن، فيما لا يزال مصير التحقيق في الجرائم الإسرائيلية غير واضح.
العدالة الدولية تحت الحصار
يكشف هذا التحقيق الموثق عن جانب قاتم في ممارسات "الديمقراطيات الغربية" التي تدّعي احترام القانون الدولي، لكنها تنقلب على مؤسساته متى طالت المساءلة حلفاءها.
في سابقة خطيرة، يصبح المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية – لا مرتكبي الجرائم – هو الهدف. وتُوظف الدولة العبرية، ومعها واشنطن ولندن، كل أدوات الترهيب لشلّ العدالة الدولية، حتى لو أدى ذلك إلى تفكيك المحكمة التي أُنشئت لمنع إفلات المجرمين من العقاب.
وفي زمن تُقصف فيه المستشفيات وتُدفن العائلات تحت الركام في غزة، لا تقتصر الجريمة على من يضغط الزناد، بل تمتد لتشمل من يحميه ويمنع محاسبته. ويبقى السؤال: هل ستصمد المحكمة الجنائية الدولية أمام هذه العاصفة؟ أم أن زمن المحاسبة قد وُئد في مهدِه؟.
