في قلب خيمة مهترئة لا تصدّ حرّ النهار ولا برد الليل، تجلس الطفلة آلاء عبيد (10 أعوام)، تحاول جاهدة أن تكبح دموعها وهي تنظر إلى جلدها المليء بالبثور الحمراء. ترفع يدها ببطء لتخدش رقبتها، فتصرخ أمها: "لا يا آلاء... سيزيد الأمر سوءًا"، لكن الحكة أقوى من تحذيرات الأم.
حرارة الشمس تخترق الخيمة كالسياط، والهواء مشبع برائحة الغبار والعرق، والحصار جعل أبسط دواء حلمًا بعيد المنال.

داخل قطاع غزة المحاصر، وفي ظل حرب إبادة جماعية مستمرة، تحوّلت الخيام التي تأوي النازحين إلى بؤر لأمراض جلدية خطيرة تفتك بالصغار قبل الكبار.
بيئة قاتلة..
مدير الإغاثة الطبية في غزة محمد أبو عفش، يصف الوضع لـ "وكالة سند للأنباء" قائلاً: "إن ما يحدث ليس مجرد أمراض موسمية، نحن نتحدث عن بيئة قاتلة: حرارة مرتفعة، مياه شبه معدومة، وصرف صحي غائب تمامًا.

ويؤكد "أبو عفش" أن هذه العوامل وحدها كافية لتفشي أمراض مثل الجرب، وجدري الماء، والحساسية الجلدية، وغيرها من الأمراض التي يصعب علاجها في هذه الظروف.
ويضيف: "القصف دمّر 45 بئرًا للمياه في القطاع، والمياه التي تصل اليوم لا تكفي للشرب أصلاً، فكيف بالنظافة الشخصية؟ البثور والحكة تلتهم أجساد الأطفال، ومع كل حكّة تلتهب الجروح وتطول فترة الشفاء. نحن أمام كارثة صحية مكتملة الأركان".
ويوضح ضيفنا أن الأسباب لانتشار هذه الأمراض هي أسباب مترابطة؛ فسوء التغذية يضعف المناعة، ونقص المعادن ينهك الجسم، وانتشار الحشرات والبعوض يزيد من تفاقم العدوى.

ويشرح: "لدغة بعوضة واحدة تكفي لينقل الطفل العدوى لنفسه ولمن حوله، وفي الخيام المزدحمة، هذا يعني أن المرض ينتشر بسرعة مخيفة".
أمراض منعتهم النوم ..
في إحدى زوايا مخيم النزوح، تحت قماش خيمة بالكاد يقي من الشمس، تجلس أم محمد وهي تمسح العرق عن وجه ابنها ذي الخمس سنوات. بصوت متهدّج تروي: "ابني لم يذق طعم النوم منذ أيام، يبكي من شدة الحكة، والبثور تغطي جسده. أحيانًا يطلب مني أن أغسله، لكن الماء نادر، وحتى حين أجده، لا أملك صابونًا أو دواءً".


أما حسام عبد العال (12 عامًا) فيحكي ببراءة موجوعة: "أشتاق للمدرسة وألعابي، لكن كل ما أفعله الآن هو الجلوس في الخيمة. الشمس تحرقني، والبثور تؤلمني كلما حككتها. أتمنى أن أستيقظ وأجد نفسي في بيتنا من جديد".
ويحذّر الأطباء في غزة من أن علاج هذه الأمراض يتطلب نظافة دائمة، وأدوية موضعية، وأغذية صحية، وهي كلها غائبة تحت الحصار.
ومع ارتفاع درجات الحرارة داخل الخيام إلى ما يشبه الأفران، يصبح الشفاء أمرًا شبه مستحيل.

وقبيل مغادرة "وكالة سند للأنباء" للمخيم، مرّت بجانبنا طفلة لا يتجاوز عمرها سبع سنوات، تحمل بيدها زجاجة ماء فارغة وتطلب من أمها أن تملأها. كان جلد يديها مغطًى ببقع حمراء وخدوش واضحة، وشعرها ملتصق بجبينها من العرق.
نظرت إلينا بعينين مرهقتين وهمست: "متى سنعود إلى البيت؟ لم نجد جوابًا، فقط تركنا المخيم وخلفنا أصوات الأطفال وهي تختلط بصوت الرياح الساخنة، وكأن غزة نفسها تحاول أن تتنفس.

وفي تصريح سابق لرئيس شبكة المنظمات الأهلية البيئية الفلسطينية عبد الرحمن التميمي، قال إنّ قطاع غزة يُعاني عجزًا غير مسبوق في توفر المياه الصالحة للشرب، مقدرًا نسبته بـ 100%؛ وسط تحذيراتٍ من ارتفاع نسب الإصابة بالأمراض الجلدية وأمراض السرطان.
وأضاف التميمي في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء"، إن أزمة المياه تفاقمت بشكلٍ مأساوي بعد الحرب على قطاع غزة، التي دمّر خلالها البنية التحتية والمرافق الأساسية، ما أثر مباشرةً على جودة المياه النظيفة وحصّة الفرد منها.
