أعادت "13 ثانية"؛ هي المدة الزمنية لمقطع فيديو ظهر فيه وزير الأمن القومي للاحتلال، المتطرف إيتمار بن غفير، وهو يهدد القيادي مروان البرغوثي في زنزانته الانفرادية، "البرغوثي" لصدارة الأخبار والتداول وفضحت سلوك حكومة الاحتلال تجاه الأسرى الفلسطينيين.
وكان "بن غفير" قد اقتحم مؤخرًا زنزانة عزل الأسير "البرغوثي" وتداولت وسائل الإعلام الإسرائيلية مقطع فيديو للزيارة ظهر فيه الوزير الإسرائيلي المتطرف يُهدد ويتوعد ويتحدث بـ "غطرسة" وسط حراسة أمنية مُشددة؛ بينما أخفي صوت مروان البرغوثي عمدًا.
ردة الفعل على الفيديو، أجبرت الوزير المتطرف على الكتابة بغضب: "قرأتُ هذا الصباح أن جميع كبار المسؤولين في السلطة الفلسطينية لم يُعجبهم ما قلتُه للإرهابي الكبير مروان البرغوثي، لذا سأكررها مراراً وتكراراً دون اعتذار، من يمس شعب إسرائيل، من يقتل أطفالنا، من يقتل نساءنا، سنمحوه (..)".
"كان حاضرا رغم تغيّر ملامحه"..
على المستوى الفلسطيني، اجتاحت الشارع مواقف رسمية وشعبية موحدة، عزفت سيمفونية الدعم للبرغوثي الذي يعتبر الفيديو أول توثيق له منذ سنوات. محذرة من خطوة إسرائيلية متوقعة لتصفيته واستهدافه.
وأبرزت الـ "13 ثانية" التجويع وتفاصيل العزل التي يعيشها الأسرى على مدار عامين منذ حرب الإبادة واستهداف الحركة الأسيرة في سجون الاحتلال، وفسرت على أنها إرهاب نفسي ومعنوي ومؤشر خطير على نوايا "بن غفير".
من جانبه، قال المدير العام لجمعية "نادي الأسير الفلسطيني" أمجد النجار: "نعم تغيرت ملامح القائد البرغوثي، كما تتغير معالم الجسد بفعل الجوع والقهر، لكنه كان حاضرا متماسكا ومستعدا للرد".
وتابع النجار: "وأنا على يقين أن ردّ مروان على بن غفير لم يكن أقل من صفعة سياسية وأخلاقية، ولهذا السبب تحديدًا جرى اقتطاع المشهد وبث جزء منه فقط".
عضو اللجنة المركزية لحركة فتح وزميل البرغوثي في الموقع التنظيمي، محمود العالول، أعرب عن خشيته على حياة القائد مروان.
واستدرك: "صورة الهزال الجسدي للبرغوثي كانت شاهداً على الإرادة القوية والعنفوان الفلسطيني في مواجهة إعلان الحرب على الحركة الأسيرة التي يشنها بن غفير".
مدرسة البرغوثي ورسائل الفيديو..
يجمع المختصون على أن الفيديو حمل رسائل متعددة أرادها "بن غفير" مع سبق الإصرار، أخفيت معها نبرة صوت مروان البرغوثي عن عمد، وشكلت واحدة من البرنامج الانتخابي السابق واللاحق للوزير المتطرف ورغبة منه في كسب التعاطف من شارع بدأ يفقد الثقة في حكومته.
ويرى الباحث أمين الحاج إلى أن "الأهم في الرسالة" أنها جاءت بعد إعلان سموتريتش عن الخطة الاستيطانية E1 التي يسعى من خلالها لدفن فكرة الدولة الفلسطينية.
ويؤكد: "وبالتزامن مع هذا يجري محاولة تحطيم الأمل السياسي بإظهار أن القيادات المستقبلية إما سجينة أو مُهانة أو مكسورة لخلق شعور باليأس؛ خاصة أن البرغوثي يعتبر أحد الشخصيات المرشحة لقيادة مشروع الدولة الفلسطينية".
ولفت الباحث الحاج النظر إلى أن الفيديو رسالة داخلية من "بن غفير" للجمهور الإسرائيلي، "وهو يعرف أن قاعدته الانتخابية اليمينية المتطرفة تريد رؤية مواقف حازمة ضد القيادات الفلسطينية، خاصة تلك التي تمثل رمزية المقاومة وقوية مثل البرغوثي".
وأكمل: "ظهور بن غفير في الزنزانة وإلقاء التهديد أمام الكاميرا هو استعراض للقوة، يهدف لتعزيز صورته كرجل لا يلين أمام أعداء إسرائيل، وبالتالي هذه الخطوة تخدمه سياسيا، خصوصا مع تصاعد الانتقادات ضده".
دراما سياسية قصيرة..
ويمثل الفيديو محاولة لإحباط أي سيناريو لإطلاق سراح مستقبلي لمروان البرغوثي، وإظهاره كخطر مستمر، وكلامه "بأنكم لن تنتصروا" ترفع الكلفة السياسية لأي صفقة تبادل قد تتضمن اسم البرغوثي.
وتُلمح الـ "13 ثانية" أن خروج مروان البرغوثي "خط أحمر"؛ والفيديو يعيد إظهاره كتهديد دائم لتبرير رفض أي صفقة عمومًا تتضمن الإفراج عنه خصوصًا.
واعتبر الباحث أمين الحاج، أن الفيديو "صيغ كدراما سياسية قصيرة؛ فيه رسالة ردع للفلسطينيين تقول لهم: حتى قيادتكم المستقبلية تحت قبضتنا ولا أفق سياسي لكم، ويهدف لحصد رصيد شعبوي لليمين الإسرائيلي المتطرف".
وتابع: "يُحاول بن غفير من خلال الفيديو تأكيد هيمنته على ملف الأسرى والسجون مع تحد مقصود للضغط، إضافة لأثر عكسي ربما لم يحسبه ويحمل كلفة رمزية وقانونية وإعلامية قد ترتد عليه وعلى حكومته".
الفيديو يُعيد البرغوثي للصدارة..
بدوره، رأى عضو المجلس الثوري لحركة "فتح"، تيسر نصر الله، أن توقيت الفيديو "غريب". مُبينًا أن نتيجته أعادت مروان البرغوثي لصدارة الأحداث "رغم أن رغبة بن غفير كانت تريد إظهاره في موقف الضعف وجاء ليحقق انتصاره على الحركة الأسيرة".
واعتبر "نصر الله" في تصريح خاص لـ "وكالة سند للأنباء" أن ردة فعل الشارع الفلسطيني "كانت انحيازه لصالح مروان، وجموع الحركة الأسيرة، وإعادة قضيتهم لواجهة الأحداث".
ويوضح: "إخراج الفيديو بتعمد إبراز صوت بن غفير وتغييب صوت البرغوثي تعبير عن إجراءات مصلحة السجون وبن غفير خلفها في استهداف الأسرى ورموزهم ورمزيتهم في محاولة يائسة لتحقيق انتصار وهمي وكسر إرادة مروان ورفاقه".
وتساءل القيادي في "فتح": "هل حقق إيتمار بن غفير الغاية التي أرادها؟ ولماذا مروان بالتحديد؟! وهل فعلها أيضًا مع قيادات حماس في السجون؟ وهل لها علاقة بصفقة تبادل قائمة؟".
إرهاب ثأري وردع نفسي..
من جانبه، صرح الكاتب والمحلل السياسي حسام الدجني، بأن "زيارة بن غفير للبرغوثي تحمل رسالة للداخل الإسرائيلي، وتصدير للوزير المتطرف كبطل قومي نجح في إذلال الأسرى".
وأضاف الدجني في حديث خاص لـ "وكالة سند للأنباء": "تحمل الزيارة بُعداً ثأرياً يشبع غليل اليمين المتطرف مع قرب موعد الانتخابات الإسرائيلية".
واستطرد: "تحمل أيضاً رسائل للشارع الفلسطيني بدلالات الأرهبة والردع النفسي؛ بأن مصير الأسرى هو مصير البرغوثي، وأنه يقوم بإذلال قدوات الشعب الفلسطيني ورموزه والمس بها وتقويض قدراتها على ممارسة الحياة السياسية في حال تم الإفراج عنهم في أي صفقة محتملة".
مكسب انتخابي..
وتتفق الكاتبة الفلسطينية، سارة سويلم، مع المحلل السياسي حسام الدجني في أن إيتمار بن غفير يحاول كسب تعاطف الشارع الإسرائيلي كونه منافساً انتخابياً في ظل خلافاته المحتدمة مع نتنياهو في محاولة لتعزيز مكانته ودعم ممارساته العنصرية والانتقامية كدليل على تطرفه واستهدافه للحركة الأسيرة.
وتمضي سويلم في حديثها لـ "وكالة سند للأنباء": "الفيديو حمل رسائل التعذيب الفعلي والتهديدي لقادة الحركة الأسيرة ورموزها، وتتضح في صورة الجسد لمروان البرغوثي، لكنه لا زال صامداً رغم الاستهداف المتواصل مهما تفنن المحتل في التعذيب والقهر والحرمان والعزل".
وخلصت إلى أن "الفيديو يحمل رسالة تهديد مباشر لقطاع غزة في تعذيب أسراه بشكل ممنهج، في واحدة من وسائل العدوان التي لا تتوقف".
واعتقل البرغوثي في أبريل/ نيسان 2002، من مدينة رام الله، وسط الضفة الغربية المحتلة، وقضت محكمة عسكرية إسرائيلية بسجنه 5 مؤبدات و40 عاماً.
