الساعة 00:00 م
السبت 18 يوليو 2026
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
25° غزة
4.09 جنيه إسترليني
4.28 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.47 يورو
3.04 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

"غزة مُباشــر".. ثلاثـة شُهــداء في 8 خُروقـات إسـرائيليـة جديـدة لـ "الهُدنـة"

من التستر إلى الإسناد.. هكذا أصبح جيش الاحتلال قبضة حديدية للمستوطنين

"شبح الغزي لن يُغادر الإسرائيلي"..

بالصور غزة على المحك.. التهجير القسري المحتمل يهدد المدينة التي أحبّها سكانها

حجم الخط
إخلاء مدين غزة
غزة - إيمان شبير - وكالة سند للأنباء

النزوح في غزة ليس مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل اقتلاع من المعنى نفسه، المدينة التي أحبت أبناءها كما أحبّوها، تواجه اليوم التهجير القسري، إلى أين نذهب؟ إلى خيمة على حافة محور موراج، تُحرسها دبابة وتُسمّى مأمنًا؟ أم إلى بوابة معدنية مفتوحة أو فوهة دبابة تُجبرنا على المرور؟

النزوح في غزة ليس مخرجًا، بل رعبٌ متواصل، أن تغادر بيتك، أن تترك كل ما أحببت، كل ذكرياتك، وأنت لا تعرف أين سيكون الوطن بعد خطوتك القادمة، بعد عامين من النزيف والحصار، يُراد لغزة أن تتحوّل إلى مدينة خيام، أن تُحكم ببوابة تُفتح بتصريح أو بقوة السلاح، أن يصبح الصمود طابور انتظار، وأن تتحوّل الكرامة إلى بطاقة عبور بلا رحمة.

كل خطوة خارج حدود ما نعرفه تحمل شعورًا بالتهديد، كل لحظة صمت تسبق الانفجار، وكل تنفّس بين الركام يُذكّرنا بأن حياتنا هنا أصبحت رهن التخطيط والإرادة الخارجية، غزة اليوم ليست مجرد مدينة، بل كائن حي أحبّ أولاده كما أحبّوه، المكان الذي احتضن طفولتهم، أحلامهم ومعاناتهم، صار اختبارًا للصمود، وتجربة مستمرة في الرعب والتمسّك بالحياة.

ومؤخرًا، كشف جيش الاحتلال الإسرائيلي عن خطط لتهجير الفلسطينيين من مدينة غزة نحو جنوب القطاع، في إطار مساعيه لإعادة احتلال القطاع كاملًا، وهي الخطط التي أثارت موجة انتقادات دولية واسعة.

وزعم في بيان أنه سيبدأ اعتبارًا من اليوم الأحد بتجديد توفير الخيام ومستلزمات المأوى للفلسطينيين الذين فقدوا منازلهم خلال الحرب المستمرة منذ 22 شهرًا، والتي خلّفت دمارًا هائلًا واتهامات دولية لتل أبيب بارتكاب جرائم إبادة جماعية.

image1170x530cropped (3).jpg

"حياة المطحنة"..

تتنهد منى سلامة بمرارة أمام وقع الأخبار القاسي بعد عامين من حياة الحرب المستمرة، تقول: "وقع الأخبار قاسي جدًا، خصوصًا بعد عامين من حياة المطحنة، محبطة جدًا وخائفة من نجاح المخطط وخسارتنا للمدينة التي شهدت على دموعنا وأفراحنا، وشعرت بانكسار الظهر وقلة الحيلة.. وانسداد الأفق."

وتصف "سلامة" واقع البقاء في الشمال تحت خط النار، "لقد تمسكت بالشمال طوال الحرب، نزحنا من مكان لمكان داخل المدينة، لكن الآن الوضع يختلف، الشمال لا يصلح للحياة تحت خط النار، والشرق أيضًا، وإن تم احتلال مدينة غزة فلا مكان يسعنا، وهذا هو المخيف، سابقًا كان ثمن البقاء الموت باحتمالية البقاء، لكن الآن البقاء يعني موتًا محققًا."

وتؤكد ضيفتنا على قسوة الواقع وخيار البقاء أو الرحيل. تقول: "نعم، البقاء هو موت كما قلت سابقًا. كل إنسان حر يختار ما يريد، كما فعلنا سابقًا. من يود المجازفة بحياته سيبقى، ومن سيخاف سيتوجه نحو موت آخر بالجنوب."

وتعبر عن آثار التهجير على النفس والجسد، تقول: "لقد نجح الاحتلال بتدميرنا نفسيًا وجسديًا ومعنويًا، لقد سحقنا تمامًا في الإبادة، لو أراد الاحتلال الاستمرار بالتهجير، لا أحد سيمنعه، وسيكون الثمن قتلنا جميعًا دون رحمة."

وتختم "سلامة" حديثها بمرارة وحسرة: "لن تتوقف خطة التهجير إن لم تحدث معجزة. سنودع المدينة، وتنطبع صورتها بذهننا بشاكلة الركام".

"شبح الغزي لن يغادر الإسرائيلي"..

تتنفس الصحفية هداية حسنين بصعوبة أمام الواقع المرير، وتشعر بثقل الخوف والقلق، وتستقبل المشهد بخليط من الشعور والتفكير العميق، تقول: "سبق أن تحدث الاحتلال عن خطط التهجير، وتحدثت عن رفح، وه لي الآن ليست بأيدينا، وكذلك الشمال، وتحدث عن نصف مدينة غزة شرقها، التي يُهدم فيها ويُمارس فيها العمليات العسكرية الممنهجة، أحيانًا يخاطبني شعور بأن التهجير الكامل الذي يريده الاحتلال لن يحدث، بمعنى أن يخرج كل أهالي غزة ونرجع إلى الجنوب، وهذا الخليط يجعل القلق سيد الموقف".

وتتنهد "حسنين"، بحزن من واقع التهجير، وتصف الصعوبات التي واجهتها، وتؤكد أن "التهجير جزء من خطة الاحتلال، كانت هناك بعض الخيالات، وكثير من الناس شعروا أن الرجوع إلى الشمال ضرب من الخيال في ظل التدمير والتعنت الإسرائيلي، لكنهم عادوا رغم كل شيء".

وتوضح بقلبٍ مُنهك: "الخطة تتحدث عن استكمال بقية احتلال غزة بالكامل، وما يعانيه الشمال هو ما يعانيه الجنوب الآن، التخوف قائم، وهناك شعور بأن الاحتلال يريد استكمال احتلاله من جديد، هذه تخوفات وتحديات تواجه السكان، وأسئلة كثيرة تدور في أذهانهم، وأصعب ما يواجهونه هو البقاء في مكانهم نحن وغيرنا".

وتتحدث "حسنين" بصوت متعب عن خيارها الشخصي والمجازفة التي اختارتها، تسرد اختيارها للبقاء رغم المخاطر، مؤكدة أنه لا خيار سوى المجازفة. تقول: "العيش تحت ضغط الإبادة يختلف عن التنظير، ولا أريد أن أتحامل كثيرًا على الناس، الناس إلى أين تريد أن تخرج؟ لا مهرب، التعويل فقط على الضغط الشعبي، لكن الحالة الشعبية منهكة، والناس تريد أن تحيا حقها، لكن لا مخرج، لأن الاحتلال يخطط ضدنا كفلسطينيين، ويحيك كل ما يمكن أن يحيكه من خطط ليكرهك البقاء، المعاناة مركبة، ولا أريد أن أكون وردية."

وتختتم بصوت مفعم بالعزيمة رغم التعب والمعاناة الطويلة، تشير إلى طول أمد الصمود الفلسطيني، مؤكدة أن كل خطط الاحتلال منذ الستينيات وحتى اليوم لم تنجح بالكامل، تقول: "كلما زاد الاحتلال استشراسًا، اقتربت نهايته، حتى وإن بدا ذلك ضربًا من الخيال، لكنه سيكون حقيقة على المدى البعيد، ربما لا أرى الذي أقوله الآن، لكن على الأكيد سيراه الأجيال القادمة، وأؤمن أن الغزي قد يموت، لكن شبحه لن يغادر الإسرائيلي".

32793394-1699642385.webp

"كيف أحمي ولادي"..

تتنفس أم يمان قويدر بصعوبة، تحمل على كتفها ثقل الخوف والمسؤولية عن أطفالها، تقول: "أحاول أن أحمي أولادي من الصواريخ والتهديدات، كل يوم أصحو وأنا أتساءل إذا كنا سنبقى على قيد الحياة حتى غدٍ آخر، الخوف أصبح جزءًا من كل لحظة، لكن البقاء هنا واجبنا، لأجلهم ولأجل هذه الأرض."

وتصف "قويدر" الواقع اليومي تحت القصف المستمر، "ننتقل من بيت مدمّر إلى آخر، نحاول أن نجد ملجأ آمن لأطفالي، لكن كل زاوية في الشمال تحمل الخطر نفسه، المياه ملوّثة، الكهرباء شبه معدومة، والصيدليات والمستشفيات لا تعمل بشكل كامل، أشعر بالعجز أحيانًا، لكن لا خيار أمامي سوى البقاء بمكاني."

وتعبر عن صراعها النفسي بين حماية أطفالها والبقاء في المدينة: "كل يوم أخشى أن أفقدهم، وأخشى أن أُجبر على الرحيل، الجنوب مكتظ، والرحيل هناك يعني معاناة أخرى وربما موتًا مختلفًا، أما هنا فنحن نعرف الأرض ونعرف الناس، البقاء بالنسبة لي هو حماية طفلي من مجهول أكبر."

وتوضح الصمود كخيار ضروري ومقاومة يومية، تقول: "الصمود ليس مجرد كلمات، إنه فعل يومي: أطبخ لهم، أنظف ما يمكن تنظيفه، وأحاول أن أجعل حياتهم طبيعية قدر الإمكان رغم الخراب من حولنا. كل يوم ننجو فيه هو رسالة للاحتلال: لن نترك أرضنا، ولن نترك أطفالنا خلفنا."

وتختم "قويدر" حديثها بصوت ملؤه الحزن والإصرار، "لا أعلم كم سنبقى، ولا أعلم متى سينتهي الخطر، لكنني أعلم أن غزة ستبقى فينا مهما حدث، أولادي سيعرفون يومًا أن والدتهم اختارت البقاء معهم، اختارت الصمود، حتى لو كان الثمن ثقيلًا جدًا".

202312mena_palestine_displacement_gaza.webp