يعيش حي الزيتون، أحد أقدم أحياء مدينة غزة وأكبرها، على وقع عدوان إسرائيلي غير مسبوق هو الثالث من نوعه منذ اندلاع حرب الإبادة الجماعية التي يشنها الاحتلال منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
لكنّ العدوان الجاري يبدو الأعنف، إذ تتخذ طابعًا شاملًا يستهدف الشجر والحجر والبشر، في مسعى واضح لتطويق مدينة غزة وتفريغها تمهيدًا لاجتياحها الكامل.
منذ نوفمبر/ تشرين ثاني 2023، ثم في فبراير/ شباط 2024، تعرض الحي لهجمات مركّزة على أطرافه الشرقية والجنوبية، أما اليوم، يشن الاحتلال عدوانًا أكثر تنظيمًا ودمارًا، تتركز في الأجزاء الجنوبية التي تُعد بوابة المدينة، وتشهد قصفًا جويًا وبريًا مكثفًا.
"إبادة جماعية مكتملة الأركان"
يقول الناطق باسم جهاز الدفاع المدني في غزة، محمود بصل، إن ما يجري في حي الزيتون "يرقى إلى مستوى الإبادة الجماعية"، في ظل القصف المتواصل الذي أوقع أعدادًا كبيرة من الشهداء والجرحى، معظمهم من الأطفال والنساء.
ويؤكد بصل لـ "وكالة سند للأنباء" أن طواقم الدفاع المدني تواجه صعوبات هائلة في الوصول إلى الضحايا تحت الأنقاض بسبب نقص المعدات وكثافة القصف، مشيرًا إلى أن العديد من العائلات ما زالت محاصرة دون غذاء أو دواء أو ماء.
ويضيف: "هذه كارثة إنسانية مكتملة الأركان.. والمجتمع الدولي مطالب بالتحرك العاجل لوقف المجازر".
300 شهيد في 3 أيام
وفي هذا السياق، كشف مدير مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان في غزة، علاء السكافي، أن نحو 300 شخص استُشهدوا في حي الزيتون خلال الأيام الثلاثة الأخيرة، منذ بدء العملية العسكرية الإسرائيلية يوم الجمعة الماضي.
وأكد السكافي، في تصريحات صحفية، أن هذه الحصيلة المرتفعة خلال فترة قصيرة تعكس فظاعة الجريمة المرتكبة بحق المدنيين، والتي "ترتقي إلى جريمة إبادة جماعية ممنهجة"، حسب وصفه.
وحذّر من أن العملية في حي الزيتون قد تكون بداية لتنفيذ خطة احتلال مدينة غزة، مبينًا أن جيش الاحتلال استخدم في الأيام الماضية الأحزمة النارية والتكثيف غير المسبوق، ما يعيد سيناريوهات العمليات العسكرية التي عادةً ما تسبق اجتياح المناطق وتحويلها إلى مناطق عسكرية مغلقة.

استهداف التاريخ والهوية
العدوان العسكري لم يقتصر على السكان، بل طال معالم تاريخية تمثل رمزية عميقة للهوية الفلسطينية. يقول إلياس الجلدة، عضو مجلس وكلاء الكنيسة العربية الأرثوذكسية في غزة، إن الاحتلال يستهدف أقدم المقدسات الإسلامية والمسيحية في المنطقة في محاولة لطمس الهوية والذاكرة الجماعية.
وأضاف الجلدة لـ "وكالة سند للأنباء": "ما يجري ليس حربًا تقليدية، بل عملية إبادة جماعية بكل المقاييس"، موضحًا أن المشهد في الحي "يجسد وحشية غير مسبوقة، حيث تتحول البيوت إلى ركام في ثوانٍ، والشوارع إلى مقابر مفتوحة".
وشدد أنّ "الهدف واضح، تهجير سكان مدينة غزة واقتلاعهم من جذورهم، لكننا لن نرحل، فهذه أرضنا، وليس لنا سواها".
وأكد أن الاحتلال يتعمد تدمير المرافق الصحية والتعليمية ودور العبادة، لضرب البنية المجتمعية بأكملها، مضيفًا أن ما ترتكبه إسرائيل في غزة هو "مذبحة حقيقية لا تفرّق بين مسلم ومسيحي".
انهيار صحي وشيك.. الموت يلاحق من نجا
ومع اتساع رقعة الدمار وتزايد أعداد الضحايا، لم يكن القطاع الصحي بمنأى عن آلة الحرب، بل بات هدفًا مباشرًا في إطار خطة ممنهجة لاستكمال الإبادة عبر حرمان المدنيين من أبسط وسائل الحياة.
في هذا السياق، حذر مدير مستشفى المعمداني في غزة، فضل نعيم، من أن الخدمات الطبية في المدينة على وشك الانهيار الكامل، مؤكدًا أن الاحتلال حيّد نحو 45% من الطاقة التشغيلية للمستشفى، وهو المرفق الطبي الوحيد الذي يخدم حي الزيتون والمناطق المجاورة له.
وأكد نعيم في حديثٍ مع "وكالة سند للأنباء" أنّ الطواقم الطبية مستنزفة بالكامل، والخدمة الطبية في غزة لا تتجاوز 10%، وهذا يعني حكمًا بالإعدام البطيء على السكان، إن استمر العدوان واشتد الحصار".
وأشار إلى أن ما يحدث يعكس رغبة إسرائيلية واضحة في محو مدينة غزة من الوجود، داعيًا إلى تحرك دولي عاجل لإنقاذ ما تبقى من النظام الصحي المتهالك.
حي الزيتون في مرمى خطة إسرائيلية لـ"محو غزة"..
وكان المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، قد أفاد قبل يومين، أنّ الهجوم الإسرائيلي الواسع على حي الزيتون والذي بدأ في 11 أغسطس/ آب الجاري، يهدف لفرض السيطرة الكاملة على مدينة غزة وتهجير سكانها، ما أدى إلى نزوح أكثر من 90 ألف مواطن تحت القصف المكثف، وسط غياب أي مبرر عسكري واضح للدمار الهائل.
ولفت إلى أن نصف منازل حي الزيتون دُمّرت دون اشتباكات، مما يشير إلى أن الغاية ليست تحقيق أهداف عسكرية مشروعة، بل استهداف البنية التحتية ومقومات الحياة لدفع السكان نحو التهجير القسري ضمن سياسة ممنهجة.
وأكد المرصد أن ما يجري في الزيتون يرقى إلى فصل جديد من الإبادة الجماعية الإسرائيلية، داعيًا المجتمع الدولي إلى التدخل العاجل، ومحاسبة قادة الاحتلال.
كما شدد على ضرورة تحمّل الدول مسؤولياتها القانونية لحماية المدنيين الفلسطينيين ووقف المجازر التي ترتكب على مرأى من العالم.
