فوق تلالٍ فلسطينيةٍ اعتادت وجوه أصحابها واحتفظت بخطى أقدامهم، تمتدّ يد الغريب في محاولة يائسة لتقمّص ما لا يُقلّد. في مشهدٍ مزيّف، تتدثّر المستوطنات بثوبٍ ريفيّ مسروق، وتحاول عائلة دخيلة إعادة تمثيل الحياة الفلسطينية على مسرحٍ من النهب والإنكار.
امرأة تطهو على الحطب، جلسة تحت عريشة نُصبت على أرض مسروقة، رجل يرعى قطيعًا ليس له، وطفل صغير يمتطي ظهر دابة، كأنما يحاولون إقناع الأرض بأنهم منها، وهي تعرف جيدًا أنهم طارئون.
مشاهد بثّتها منصات المستوطنين في الضفة الغربية، لعائلة استيطانية تمارس طقوسًا مستعارة من تفاصيل الريف الفلسطيني، في مشهد لا يحاكي الحياة فقط، بل يفضح سرقة الأرض والذاكرة، ومحاولة سلب الهوية من جذورها.
حتى طقوس الزفّة الفلسطينية لم تسلم من محاولات السرقة، إذ بات المستوطنون يكررون المشاهد ذاتها التي طالما شكّلت جزءًا من الذاكرة الشعبية الفلسطينية، في بحثٍ محموم عن انتماءٍ زائف، عن تاريخ لا يملكونه.
يحاولون محاكاة الأهازيج والرقصات، وارتداء ملامح الفرح التي لا تشبههم، في محاولة لإقناع أنفسهم والعالم بأن لهم جذورًا في هذه الأرض. لكنّ الأرض تحفظ جيدًا مَن مشى عليها أولًا.
مشاهد استفزازية وعنصرية..
وتعقيبًا على تلك المشاهد، يقول الخبير في شؤون الاستيطان محمود الصيفي إن محاولات الاحتلال والمستوطنين لسرقة التراث الشعبي الفلسطيني، من الأزياء والأغاني والأكلات، ليست جديدة، بل تمثل سياسة منهجية وعنصرية تهدف لتزوير الهوية الفلسطينية.
ويوضح الصيفي، في حديثه لـ"وكالة سند للأنباء"، أن هذه الممارسات تندرج ضمن محاولات الاحتلال المستمرة لطمس الهوية الثقافية الفلسطينية، واصفًا المشاهد التي يبثها المستوطنون من القرى والمناطق الريفية الفلسطينية بأنها "نوع من السرقة الواضحة في وضح النهار".
ويضيف: "منذ تأسيس هذه الدولة العنصرية، وهي تسطو على التراث الفلسطيني بكل مكوناته. الثوب الفلسطيني يُعرض في المعارض الأوروبية على أنه تراث إسرائيلي، والأكلات الشعبية مثل الحمص والفلافل تُنسب زورًا لتاريخهم، لكن هذه الأساليب فشلت في إقناع العالم".
وبيّن أن الاحتلال يحاول عبر هذه المشاهد والأهازيج والأغاني والدبكة الشعبية أن يقنع نفسه والعالم بأن له تراثًا موحدًا، رغم أن "هذا الكيان مكوَّن من عشرات القوميات، ولا يمكن أن يكون له تراث مشترك".
مخططات مدعومة..
ويشير الصيفي إلى أن ما يبثه المستوطنون من مشاهد احتفالية أو فولكلورية في المستوطنات والمناطق الفلسطينية، هو جزء من مخطط منظّم ومدعوم من الجمعيات والمنظمات الاستيطانية، وليس سلوكًا عشوائيًا.
وتابع: "بن غفير سلّح نحو 7 آلاف مستوطن منذ 7 أكتوبر، وهم جزء من مخطط استعماري كبير، تقوده منظمات صهيونية وجمعيات استيطانية تتلقى دعمًا حكوميًا وموازنات ضخمة لرعاية التوسع الاستيطاني وتنفيذه على الأرض".
مشاريع استيطانية متسارعة..
وحول الوضع في الضفة الغربية، يؤكد الصيفي أن حكومة الاحتلال اليمينية المتطرفة تسعى إلى فرض واقع جديد عبر مشاريع استيطانية متسارعة.
ويردف: "الحكومة أعلنت بوضوح نيتها رفع عدد المستوطنين في الضفة إلى مليون، ويتم تنفيذ ذلك حاليًا من خلال توسيع البؤر الاستيطانية والاستيلاء على الأراضي، خاصة في الأغوار والمناطق الريفية، ضمن خطة منظمة ومدروسة".
ويردف: "حتى الأهازيج التي نراها ليست مشاهد عشوائية، بل جزء من مخطط مدعوم ومحسوب، يهدف إلى استفزاز الفلسطينيين ودفعهم لترك الأرض عبر الإرهاب والتضييق".
الصورة تتضح للعالم..
ورغم كل ما يمارسه المستوطنون من محاولات لتزوير التاريخ والتراث، يشير "ضيف سند" إلى أن صورة المستوطنين بدأت تتضح أكثر أمام العالم، خاصة في ظل تصاعد اعتداءاتهم في الضفة الغربية، وتزامن ذلك مع حرب الإبادة الجارية في قطاع غزة.
وقال: "عدد من القنصليات والدول أصدرت مؤخرًا بيانات تدين عنف المستوطنين وتفرض عقوبات عليهم، وهو تطور لافت، ويؤكد أن صوت الفلسطينيين بات يُسمع رغم كل شيء".
استنساخ لحياة الفلسطيني..
من جهته، يحذّر الكاتب والباحث الفلسطيني محمد القيق من خطورة ما وصفه بـ"التحريف الفعلي للرواية الفلسطينية"، ليس فقط على المستوى الإعلامي، بل من خلال ما يجري على الأرض من إخلاء للبدو الفلسطينيين وإحلال مستوطنين متنقلين مكانهم، تحت غطاء ما يُعرف بـ"الاستيطان الرعوي".
ويوضح القيق، في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء"، أن هذا النوع من الاستيطان يستنسخ نمط حياة البدو الفلسطينيين من حيث السكن والتنقل والعادات وظروف العيش، لكنه يُنفذ لأهداف استعمارية، مضيفًا:"ما يحدث تطهير عرقي ناعم، يستهدف شكل الوجود الفلسطيني، وخاصة الوجود البدوي الذي ما زال يحافظ على نسبة كبيرة من الأراضي ومساحات الرعي".
تزوير التاريخ..
ويعمل الاحتلال على تغيير معالم التاريخ الفلسطيني عبر أدوات جديدة، من بينها "الرحّل الجدد" من رعاة الأبقار والأغنام، الذين يتم إدخالهم إلى المناطق البدوية بهدف طمس الهوية البدوية الفلسطينية واستبدالها بهوية زائفة، وفق ضيفنا.
ويوضح: "هذا النموذج يُستخدم كأداة لإلغاء الوجود البدوي، ومن ثم تثبيت رواية استيطانية بديلة"، معتبرًا ذلك مؤشراً على محاولة "محو الذاكرة الجمعية الفلسطينية وتزييف التاريخ على الأرض لا فقط في الكتب والمناهج".
الاستيطان الرعوي..
ويرى القيق أن ما يسمى بـ"الاستيطان الرعوي" ليس شكلاً تقليديًا من أشكال السيطرة على الأرض فقط، بل يمثل حماية جغرافية أولية للمستوطنات الكبرى، ويعمل كـ"حلقة وصل" بين المستوطنات، وفي الوقت ذاته، نقطة نهاية للتوسع العمراني الفلسطيني.
ويقول: "هذه التجمعات تشكل حاجزًا بين الفلسطينيين وأرضهم، وتُستخدم كوسيلة ضغط وابتزاز يومي، في محاولة لدفع الناس نحو ترك الأرض والرحيل".
ويؤكد القيق أن التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية لا يتم بشكل عشوائي أو عبثي، بل يقوم على منهجية رسمية تشترك فيها حكومة الاحتلال ووكالة الهجرة اليهودية والمنظمات الصهيونية العالمية.
ويضيف: "النتيجة هي مستوطنات متنامية، بؤر رعوية، مناطق صناعية، بنية تحتية، وكلها محاطة بقواعد عسكرية، وهذا كله ليس امتيازات عشوائية، بل أدوات إعدام للوجود الفلسطيني، وتسريع لقيام دولة المستوطنات التي تتكامل جغرافيًا وسياسيًا مع مرور الوقت".
إنعاش للاستيطان..
ويشدد القيق على أن ما يجري على الأرض هو "إنعاش للاستيطان ودفن للحياة الفلسطينية"، لافتًا إلى أن توفير فرص العمل للمستوطنين، وبناء مصانع، ومنح الأراضي، وعسكرة الفضاء الريفي، كلها جزء من منظومة الاستيطان الكبرى.
ويحذّر الباحث الفلسطيني من أن الضفة الغربية تسير "تمامًا كما خطط لها المتطرف بتسلئيل سموترتش"، الذي أعلن سابقًا أن عام 2025 سيكون عام الضم وفرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على الضفة الغربية، وإنهاء ما تبقى من "الرسمية الفلسطينية".
ويقول: "ما نشهده اليوم هو تطبيق بطيء ومدروس لهذا المخطط، في ظل صمت دولي وجمود عربي، ووساطات ضعيفة لا تكشف حجم الإبادة، بل تغطيها، في إطار لعبة نزع السلاح وإضعاف الفلسطينيين لصالح استكمال مشروع الضم".
ويختم القيق حديثه بالتحذير من أن استمرار غياب الوحدة الوطنية وتجديد الشرعية الفلسطينية، يُضعف الموقف الفلسطيني أمام المجتمع الدولي، ويمنح الاحتلال المزيد من الفرص لفرض الوقائع على الأرض، داعيًا إلى إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني على أسس مقاومة واستراتيجية شاملة لمواجهة هذه المخططات.
ذروة اعتداءات المستوطنين..
وفي واحدة من ذروات إرهاب المستعمرين التي استهدفت القرى والتجمعات البدوية الفلسطينية، نفذ المستوطنون 466 اعتداء في الضفة الغربية خلال تموز/ يوليو الماضي، تركزت في محافظات رام الله بواقع 126 اعتداء والخليل بـ 103 اعتداءات، ونابلس بـ 83 اعتداء وبيت لحم بـ 39 اعتداء للمستعمرين، وفق معطيات نشرتها هيئة مقاومة الجدار والاستيطان.
وأدت هجمات المستوطنين لاستشهاد 4 مواطنين في مناطق سلواد والمزرعة الشرقية في محافظة رام الله، وقرية أم الخير جنوب الخليل.
كما تسببت تلك الاعتداءات بترحيل قسري لتجمعين بدويين في أريحا وبيت لحم، هي تجمعات عرب المليحات ودير علا، بواقع 50 عائلة فلسطينية تتكون من 267 مواطناً.
وقالت هيئة مقاومة الاستيطان، أن تلك الاعتداءات تأتي مواصلة لمسلسل فرض البيئة القهرية الطاردة التي تتم برعاية ممنهجة من قبل المؤسسة الرسمية في دولة الاحتلال، ليصعد عدد التجمعات البدوية التي جرت عملية ترحيلها بفعل إرهاب المستعمرين إلى 33 تجمعاً بدوياً منذ السابع من أكتوبر.
