لم تعد الغارات الجوية الإسرائيلية في غزة تقتصر على استهداف المواقع أو المراكز المدنية المكتظة بالسكان، بل باتت تعتمد بشكل متكرر على تكتيك "الضربات المزدوجة"، أي قصف موقع ما مرتين متتاليتين خلال فترة زمنية قصيرة.
وتكتيك الضربات المزدوجة ليس مجرد خيار عسكري، بل أداة ممنهجة لإرهاب المدنيين وإسكات الصحفيين وتعطيل عمل فرق الإنقاذ. واستخدامه في غزة، وخاصة ضد المستشفيات والصحفيين، يعكس توجهًا خطيرًا لتوسيع دائرة الضحايا وتقويض أي إمكانية لتوثيق الجرائم.
وسلط موقع "ميدل إيست آي" الضوء على أن الهدف من هذا الأسلوب الإسرائيلي هو قتل أو إصابة أكبر عدد من المسعفين، والصحفيين، والمارة الذين يسارعون إلى موقع الغارة الأولى.
وأشار إلى أن الهجوم الأخير على مستشفى ناصر في خان يونس يوم أمس الاثنين شكّل أوضح مثال على ذلك حيث استشهد ما لا يقل عن 20 شخصًا من بينهم خمسة صحفيين يعملون لدى مؤسسات دولية.
وقد استهدفت الغارة الأولى الطابق الرابع من المستشفى، بينما تبعتها ثانية مباشرة بعد تجمع الطواقم الطبية والإعلامية في المكان.
تكتيك مُصمّم لإحداث مجزرة
يصف خبراء حقوق الإنسان الضربات المزدوجة بأنها "مصيدة دموية". فهي لا تستهدف فقط المبنى أو الهدف العسكري المزعوم، بل تصيب كل من يهرع لإنقاذ الضحايا أو لتوثيق الجريمة.
وقالت رافينا شامداساني، المتحدثة باسم مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان: "لا ينبغي استهداف الصحفيين والمستشفيات على الإطلاق. مقتل الصحفيين في غزة يجب أن يُصدم العالم ويدفعه إلى التحرك للمساءلة، لا إلى الصمت".
لكن دولة الاحتلال اكتفت بالقول إن ما حدث "حادث مأساوي"، بينما أكدت وسائل إعلام عبرية أن الهجوم جرى "بموافقة وتنسيق من القيادة العليا".
استهداف مباشر للصحافة
يُعتبر الصحفيون من بين أبرز الضحايا، كونهم عادةً أول من يصل لتغطية تبعات الغارات. ففي الهجوم على مستشفى ناصر، استشهد خمسة صحفيين دفعة واحدة.
وقد استشهد 225 صحفيًا على الأقل منذ بدء حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة في أكتوبر 2023. هذا العدد غير المسبوق دفع منظمات دولية إلى الحديث عن "حرب معلنة على الصحافة".
وسبق أن كشف تقرير لمجلة +972 الإسرائيلية في يوليو 2025 أن الجيش الإسرائيلي استخدم الغارات المزدوجة مرارًا، منها استهداف مدرسة في جباليا عدة مرات لمنع إنقاذ الأطفال.
كما أشار التقرير إلى أن الجيش كان يهدد بوقوع ضربة ثانية لإجبار فرق الإنقاذ على الانسحاب من مواقع القصف الأولية.
وقال علي الخواص، رئيس قسم الاتصالات في الدفاع المدني بغزة: "الهجمات الثانية تأتي غالبًا بعد دقائق من وصول المنقذين. في أبريل الماضي وحده، استشهد 22 منقذًا في غارة مزدوجة عقب قصف منزل في جباليا".
ازدواجية المعايير الدولية
المفارقة أن الولايات المتحدة، التي توفر دعمًا عسكريًا ودبلوماسيًا شبه مطلق لإسرائيل، أدانت روسيا العام الماضي بسبب اعتمادها ضربات مزدوجة في أوكرانيا. المبعوث الأميركي لدى منظمة الأمن والتعاون في أوروبا وصفها آنذاك بأنها "هجمات متعمدة ضد عمال الإنقاذ".
هذا التناقض يثير تساؤلات حول ازدواجية المعايير في القانون الدولي، خاصة مع غياب أي تحرك جدي لمحاسبة إسرائيل رغم الأدلة الواضحة على استخدامها أسلوبًا موصوفًا من قبل منظمات حقوقية بأنه "جريمة حرب".
ومع استمرار الصمت الدولي أو الاكتفاء ببيانات "القلق"، يبقى المدنيون والصحفيون في غزة الحلقة الأضعف، ضحايا لسياسة عسكرية تُحيل مهام إنقاذ الأرواح ونقل الحقيقة إلى رحلة محفوفة بالموت المحقق.
