بينما يحاول الاحتلال الإسرائيلي فرض واقع إخلاء قسري لسكان مدينة غزة عبر التهديدات والوعود بتوفير مناطق بديلة، تبرز الأرض الواقع الذي يؤكد عدم وجود بنى تحتية أو مناطق آمنة قادرة على استقبال النازحين، وسط أزمة مائية خانقة وازدحام شديد في مناطق الجنوب والوسطى.
ومنذ حوالي أسبوع ونصف، تشهد مدينة غزة تصاعدًا في القصف الجوي والمدفعي، ونسفًا ممنهجًا للمباني وتجريفًا للطرقات خاصة في الأجزاء الشمالية والشمالية الغربية والشرقية للمدينة، مما دفع السكان إلى نزوح غالبيتهم نحو المناطق الغربية وسط أزمة إنسانية متفاقمة.
وفي الوقت الذي تروج فيه سلطات الاحتلال لإدعاءات وجود مساحات شاسعة فارغة في جنوب القطاع، خصوصًا في مناطق مثل المواصي ومخيمات الوسطى، كمساحات بديلة لاستقبال النازحين، تكشف الحقائق على الأرض خلاف ذلك تمامًا.
فقد شهدت مناطق المواصي ومخيمات الوسطى ازدحامًا كبيرًا، مع نقص شديد في الخدمات الأساسية، لا سيما المياه، بحسب ما أكده مسؤولون محليون لـ "وكالة سند للأنباء".
المواصي مكتظة والاحتلال يسيطر على 85% من الجنوب
في هذا السياق، يؤكد مدير دائرة الإمداد بجهاز الدفاع المدني، محمد المغير، أن الواقع الميداني يتناقض تمامًا مع ادعاءات الاحتلال حول توفر مساحات فارغة في جنوب القطاع، مشددًا على حجم المعاناة والظروف الصعبة التي يواجهها النازحون في منطقة المواصي بخانيونس.
وأوضح المغير أن الاحتلال يسيطر عسكريًا على نحو 85% من مساحة الجنوب في قطاع غزة، ما يجعل الادعاءات الإسرائيلية حول وجود مساحات فارغة لاستقبال النازحين "مزاعم كاذبة لا تمت للحقيقة بصلة".
وأضاف، أنّ منطقة المواصي في خانيونس، والمعروفة بـ"المنطقة الصفراء"، لم تعد قادرة على استقبال أي نازحين جدد بسبب الاكتظاظ الشديد.
وأشار إلى أن هذه المنطقة تفتقر لأبسط مقومات الحياة، إذ لا تتوفر إمدادات مياه كافية ولا خدمات نظافة شخصية وعامة، مؤكداً أن المعايير الدولية توصي بأن يحصل الفرد على 5 إلى 10 لترات من المياه يوميًا للشرب والاستخدام الشخصي، وأكثر من 20 لترًا لتلبية حاجات النظافة والاستحمام، لكن النازحين في المواصي محرومون من هذه الاحتياجات الأساسية.
وذكر المغير أن الأسر النازحة تواجه معاناة مضاعفة بسبب النزوح المتكرر، الذي بلغ في المتوسط بين 9 إلى 11 مرة لكل أسرة، مما يسبب أعباءً مادية وإنسانية فادحة، مستنزفًا كرامة الإنسان وحقه في حياة كريمة.
وحذر من أن المنطقة ليست آمنة ولا توفر الظروف الملائمة للحياة، مضيفًا أن استمرار الاحتلال في دفع السكان نحو هذه المناطق المكتظة يشكل تهديدًا مباشرًا لحياة عشرات الآلاف من المدنيين ويزيد من حجم الكارثة الإنسانية في جنوب قطاع غزة.
ويتقاطع هذا التوصيف مع ما أكدته بلدية خانيونس، التي شدّدت على أن منطقة المواصي تعاني من اكتظاظ غير مسبوق، وظروف إنسانية صعبة في ظل نقص حاد بالمياه والخدمات الأساسية.
وحذّر مدير إمداد المياه في بلدية خانيونس، المهندس سلامة شرابمن تفاقم كارثة إنسانية جنوب القطاع، نتيجة الاكتظاظ الكبير في المواصي وحالة العطش الشديد التي يعاني منها السكان.
وقال إن "الوضع المائي لم يعد يلبي الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية، ولا توجد طاقة استيعابية لأي نزوح جديد".
وأوضح شراب أن البلدية لا تمتلك سوى 4 آبار مياه تعمل بكفاءة لا تتجاوز 50%، وتنتج يوميًا ما بين 8 إلى 10 آلاف كوب، بينما تبلغ الحاجة الفعلية للمدينة نحو 15 ألف كوب يوميًا، ما يترك فجوة مائية كبيرة.
وأضاف أن السكان بالكاد يحصلون على 3 إلى 4 أكواب من المياه يوميًا لكل فرد، وهو ما لا يفي بالحد الأدنى من المعايير الإنسانية، مشيرًا إلى أن منطقة الرمال الصفراء في المواصي تخلو تقريبًا من أي مصادر مائية حكومية أو خاصة، باستثناء بعض الرقع الزراعية المحيطة بخيام النازحين.
وشدد شراب على ضرورة توفير وقود عاجل لتشغيل الآبار، إلى جانب تدخل دولي فوري لتأمين المياه والاحتياجات الأساسية، محذرًا من أن استمرار الوضع الحالي سيقود إلى انهيار صحي وإنساني شامل في خانيونس والمنطقة الجنوبية عمومًا.
دير البلح: لا مساحة فارغة ولا منطقة آمنة في الوسطى
والحال لا يختلف كثيرًا في دير البلح، حيث أكدت بلديتها أن المدينة لم تعد قادرة على استيعاب أي موجات نزوح إضافية، في ظل الاكتظاظ الكبير واستهداف البنية التحتية وتدهور الأوضاع الصحية والبيئية.
وقال رئيس بلدية دير البلح، نزار عياش، إن المدينة "لم يعد فيها شبر واحد يمكن أن يستوعب خيمة نزوح جديدة"، موضحًا أن المنطقة الساحلية باتت مكتظة بشكل كامل، في حين أن شرق المدينة يخضع لعمليات عسكرية متواصلة، ما يجعله غير آمن إطلاقًا.
وأشار عياش إلى أن البنية التحتية متهالكة تمامًا، ومحطة التحلية في المدينة بحاجة إلى كميات كبيرة من الوقود بالكاد تكفي لتوفير المياه لعدد محدود من السكان.
وأضاف أن المدينة شهدت خلال موجات النزوح السابقة كوارث بيئية وصحية نتيجة الاكتظاظ وانعدام الخدمات، وهو ما يتكرر اليوم بشكل أكثر حدة.
ولفت إلى أن "ما يحدث في دير البلح ينطبق أيضًا على مجمل مناطق المحافظة الوسطى"، مؤكدًا أن الأوضاع هناك تنذر بكارثة إنسانية إذا استمر الضغط والنزوح إليها.

وطالب عياش المجتمع الدولي بالتحرك الفوري لحماية المدنيين والبنى التحتية المتداعية، والعمل على وقف العدوان، مشددًا على أن دير البلح لم تعد منطقة آمنة بأي شكل من الأشكال.
وتوثق الصور والمشاهد الجوية، تكدس خيام النازحين في مناطق وسط وجنوب القطاع، حيث اضطرّ الأهالي إلى نصبها في الطرقات، وعلى الأرصفة، وفي محيط مكبّات النفايات وبرك مياه الصرف الصحي، وسط بيئة تفتقر لأدنى مقوّمات الحياة.
ويؤكد هذا المشهد الميداني حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها سكان غزة، ويكشف زيف الادعاءات الإسرائيلية حول توفير مناطق آمنة أو خدمات إنسانية للنازحين، في ظل سياسة تهجير قسري مستمرة منذ 22 شهرًا.
