الأطفال الذين خُلقت أيامهم للدراسة واللعب، صاروا أسرى طوابير المساعدات، دفاترهم البيضاء التي كان يجب أن تُكتب عليها الحروف الأولى، استبدلت بانتظار طويل لرغيف خبزٍ لا يسد جوعًا ولا يحمي طفولة، هناك، تحت شمس الحرب، يتراصون في صفوف طويلة، لا يحملون حقائب مدرسية، بل يحملون وجوهًا متعبة، وأملًا ضئيلًا أن يعودوا بما يقي عائلاتهم من الجوع.
لكن تلك الطوابير ليست مجرد انتظار للطعام، بل مصائد موتٍ نصبتها "إسرائيل" بدمٍ بارد، تتحول الساحات التي يفترض أن تكون مساندة إنسانية، إلى كمائن مكشوفة، حيث يتربص القنّاصون والجنود للأطفال العزّل، رصاصة واحدة تكفي لتحوّل خط الانتظار إلى مجزرة، أو لتسلب حياة طفل جاء يطلب قوت يومه.
وهكذا كان قدر مهند القرا، لم يجلس على مقعدٍ خشبي في صفه الدراسي، ولم يفتح كتابًا كما يفعل أقرانه في أماكن أخرى من العالم، خرج ببراءة الجائع ليقف في طابور المساعدات، فعاد بجسدٍ مشلولٍ بعد أن استقرت رصاصة في رأسه، بين لحظة وأخرى، تبدّد الحلم البسيط بالخبز، وتحولت خطواته إلى شهادة حيّة على واقعٍ يطارد أبناء غزة، أن تكون طفلًا يعني أن تكون هدفًا، وأن يصبح البحث عن الرغيف مغامرة قد تُنهي الحياة قبل أن تبدأ.

"حالة مهند كانت صادمة"..
وقالت راوية القرا والدة الطفل مهند، إن ضيق الحال والوضع الاقتصادي الصعب دفع ابنها إلى التوجه حيث تُوزع المساعدات، لكنه أصيب برصاصة غادرة في رأسه أوقفت حركته وأطفأت طفولته على الفور.
وأضافت "القرا" في مقابلةٍ مصوّرة لـ "وكالة سند للأنباء"، أن حالة مهند كانت صادمة وغير متوقعة، فبعد الإصابة لم يجد أي علاج ولا فرصة للعناية الطبية اللازمة في غزة المحاصرة.
وأوضحت أن ابنها كان يزن في السابق أكثر من سبعين كيلوغرامًا، لكن وزنه انخفض بشكل حاد بعد معاناته الطويلة مع الإصابة، مشيرةً إلى أنه لم يتوقف عند ذلك فحسب، بل أصيب بالتهابات خطيرة في صدره جعلت تنفسه بطيئًا ومرهقًا.
وبيّنت أن ضعف التغذية فاقم من حالته، فالغذاء وإن كان موجودًا في بعض الجوانب، إلا أنه غير متاح ولا مهيأ للمرضى في وضعٍ مأساوي مثل وضع ابنها، مؤكدة أن ما يحتاجه مهند غير متوفر إطلاقًا.
وناشدت الأم بحزن عميق الجهات الدولية ومنظمة الصحة العالمية والدول القادرة على المساعدة، أن تتدخل لإنقاذ حياة طفلها، وأن تعمل على نقله للعلاج خارج غزة، مضيفة: "هؤلاء الشباب جميعهم ضاعوا بسبب غياب العلاج، وأتمنى أن يجد مهند بصيص أمل في الحياة".
"إعلان المجاعة"..
وأعلنت الأمم المتحدة وخبراء دوليون، الأسبوع الماضي عن تفشي المجاعة على نطاق واسع في قطاع غزة، في أول إعلان رسمي من نوعه لمنطقة الشرق الأوسط.
وأصدر التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، المبادرة العالمية المتخصصة في قياس الأمن الغذائي وسوء التغذية، تقريرًا رسميًا أمس الجمعة، أكد فيه تفشي المجاعة في محافظة غزة، متوقعًا امتدادها إلى وسط وجنوب القطاع.
وتزامنًا مع هذا الإعلان الأول من نوعه منذ بدء الحرب الإسرائيلية على غزة في أكتوبر/ تشرين أول 2023، أصدرت منظمة الصحة العالمية، وصندوق الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف)، وبرنامج الغذاء العالمي، ومنظمة الأغذية والزراعة (الفاو) بيانًا مشتركًا أكدت فيه أن أكثر من نصف مليون شخص في غزة يعانون من المجاعة.
وأوضحت منظمة الصحة العالمية أن تفشي المجاعة في غزة يمثل المرة الأولى التي يتم فيها تسجيل حالة مجاعة رسمية في منطقة الشرق الأوسط، في مؤشر خطير يعكس عمق الأزمة الإنسانية التي يواجهها القطاع.
يأتي هذا في ظل تقييد الاحتلال دخول المساعدات إلى قطاع غزة منذ مارس/ آذار الماضي، وتصاعد الأزمة بعد تولي ما تسمى "مؤسسة غزة الإنسانية" مسؤولية عمليات التوزيع في مايو/ أيار حيث تفاقمت الأوضاع وتكررت المجازر بحق الفلسطينيين الذين يقصدون مراكز توزيع المساعدات، مما أسفر عن استشهاد أكثر من ألفي شخص وإصابة نحو 15 ألفًا آخرين.


