في قطاع غزة المحاصر، حيث يخيّم الموت على الجميع، تعيش فئة الصم مأساة مضاعفة؛ فهم لا يسمعون صوت الصواريخ التي تمزق السماء، ولا صفير القذائف قبل سقوطها، ليجدوا أنفسهم فجأة بين الركام وأشلاء الضحايا.
فبينما يفرّ الآخرون بمجرد سماع دويّ الغارات، يقف الصم تائهين، عاجزين عن استشعار الخطر، ويدفعون أرواحهم ثمنًا لعجزهم عن سماع أصوات الحرب.
في إحدى الخيام الممزقة جنوب القطاع، تجلس الأم سارة الدهشان وهي تحتضن ثوب ابنها حسين (17 عامًا)، الذي كان من فئة الصم، وقُتل برصاص الاحتلال أثناء محاولته جلب الطعام من محور "زيكيم".
تقول سارة، وهي تمسح دموعها: "لم يسمع صرخات الناس عندما بدأ الجنود بإطلاق النار، لو كان يسمع لركض معهم، لكنه بقي واقفًا وسقط أمام عيني".
تضيف بحسرة لـ "وكالة سند للأنباء": "دفنته بيدي، ولن أنسى لحظة حمل جثته الباردة إلى مثواه الأخير".
إقامة جبرية داخل الخيمة
منذ استشهاد حسين، فرضت سارة على أبنائها الثلاثة الآخرين – وجميعهم من فئة الصم – الإقامة الجبرية داخل الخيمة، فلا تسمح لهم بالخروج بمفردهم، وترافقهم حتى عند جلب الماء.
تقول بقلق بالغ: "لا أريد أن أفقد أحدًا منهم.. أصوات الانفجارات تلاحقنا في كل مكان، لكنهم لا يسمعون شيئًا. يكفي أن أغفل عنهم لحظة، ليحدث ما لا يُحتمل".
وتعكس معاناة حسين واقع هذه الفئة التي تواجه خطراً أكبر بسبب عدم قدرتها على سماع التحذيرات أو أصوات الانفجارات، مما يجعلها من أكثر الفئات هشاشةً وعرضة للأذى في ظل الظروف الراهنة.
أزمة متفاقمة بين فاقدي السمع في غزة
ومع تصاعد هذه المعاناة الشخصية المؤثرة، تكشف البيانات الميدانية التي جمعتها جمعية "أطفالنا للصم" عن واقع أكثر اتساعًا وتفاقمًا للأزمة الصحية التي يواجهها فاقدو السمع في غزة.
بحسب بيانات موثقة لدى الجمعية، هناك نحو 35 ألف شخص، من أطفال وبالغين، يعانون من فقدان السمع بشكل مؤقت أو دائم نتيجة الانفجارات المستمرة، والتلوث البيئي، وغياب الرعاية الطبية اللازمة.
وأكدت الجمعية على لسان مديرها فادي عابد في تصريحات صحفية، أن معدل الإصابات بمشاكل السمع تضاعف ثلاث مرات مقارنة بما كان عليه قبل اندلاع الحرب، بالإضافة إلى ارتفاع ملحوظ في مشاكل السمع لدى الأطفال حديثي الولادة الذين وُلدوا خلال فترة الحرب، ما يستدعي تدخلات عاجلة وفورية.
وأوضحت البيانات أن 83% من ذوي الإعاقة السمعية فقدوا أدواتهم المساعدة، مثل السماعات الطبية، بسبب النزوح المتكرر، وغياب الصيانة وقطع الغيار.
ويزيد منع سلطات الاحتلال دخول أدوات مساعدة جديدة إلى القطاع من معاناة هذه الفئة التي تحتاج إلى دعم عاجل.
في مواجهة هذه التحديات الصعبة، تبرز جهود ملهمة من داخل المخيمات، حيث تعمل معلمة لغة الإشارة هدى النعامي على تزويد فئة الصم بمهارات النجاة التي قد تنقذ حياتهم أثناء القصف.
ووسط مشهد استثنائي، تظهر هدى، وهي تتنقل بين الخيام بحثًا عن فئة الصم، فمنذ 33 عامًا تعمل معلمةً للغة الإشارة، لكنها اليوم قررت أن تمنحهم شيئًا مختلفًا: مهارات للنجاة في أوقات القصف.
تقول النعامي لـ "وكالة سند للأنباء": "هذه الفئة من أكثر الفئات هشاشة في الحرب، فبينما يهرب الآخرون مع أول صوت لانفجار، يبقى الصم في أماكنهم دون إدراك للخطر. لذلك، أصبح من الضروري أن أدرّبهم على النجاة بالنظر لا بالسمع".
إشارات الحياة والموت
خلال إحدى الحصص التدريبية داخل المخيم، تشرح النعامي بلغة الإشارة للأطفال الصم:"عندما ترون وميضًا برتقاليًا في السماء ليلاً، فهذه علامة على غارة قريبة.. عليكم أن تنبطحوا أرضًا وتحتموا بأيديكم".
وتضيف وهي تُنفّذ الحركة أمامهم: "ابقوا ثابتين لمدة دقيقة، وإذا نهض الناس من حولكم، تحركوا معهم، وإذا ركضوا فاركضوا فورًا".
الملاحظة البصرية وسيلة نجاة
تؤكد النعامي أن الصم يمتلكون قدرة عالية على ملاحظة التفاصيل البصرية، وقد درّبتهم على مراقبة سلوك من حولهم.
تقول عن ذلك: إذا رأيتم الناس يركضون فجأة في اتجاه واحد، لا تترددوا، اركضوا معهم.. هذه حياتكم، لا تنتظروا إشارات السمع".
قصص الصم في غزة تكشف جانبًا خفيًا من الحرب الإسرائيلية المتواصلة منذ شهورٍ طويلة؛ جانبًا يفتك بمن لا يستطيع حتى سماع صوت الموت القادم.
