في غزة، لم يعد القصف وحده هو السلاح الذي يستهدف حياة الناس، بل إن الفقر، وانعدام الحاجات الأساسية، وانقطاع المساعدات، باتت تشكّل وجوهًا جديدة لحرب الإبادة المستمرة منذ أكثر من 22 شهرًا.
تحت الخيام وبين الركام، يخوض الفلسطينيون معركة بقاء يومية تتجاوز الجوع والخوف، لتصل إلى أبسط تفاصيل الحياة: ثوبٌ يستر الجسد، أو حذاء يحمي القدم.
نتيجة حرب الإبادة المتواصلة ومع استمرار إغلاق المعابر ومنع إدخال الغذاء والدواء، إلى جانب منع دخول الملابس، والأحذية، ومستلزمات النظافة الشخصية وغيرها من ضروريات الحياة، تحوّلت أزمة الملابس إلى كابوس إنساني جديد.
دفع تدهور الأوضاع الاقتصادية وفقدان الحاجات الأساسية كثيرًا من الناس إلى التوجه نحو أسواق الملابس المستعملة (البالة)، باحثين بين الأكوام عن قطع قد تناسبهم، حتى وإن كانت ممزقة أو باهتة.
أما من لم يتمكن من الشراء، فقد اضطر إلى الاكتفاء بما لديه، مستعينًا بالإبرة والخيط لرقع ثيابه القديمة، في محاولات متكررة لإطالة عمرها، رغم أن القماش لم يعد يحتمل مزيدًا من الترميم.

"الإبرة والخيط".. محاولة لترميم الكرامة
زكية حبيب (45 عامًا)، من حي الشجاعية، فقدت منزلها وكل ما تملك، وتقيم اليوم في خيمة غرب مدينة غزة، وتحاول بخيوط مرتجفة أن تصلح بنطال ابنها الوحيد.
وتقول: "ابني يبلغ من العمر اثني عشر عامًا، ولم يتبقَّ لديه سوى هذا البنطال الممزق، أرقّعه كل يوم من موضعٍ جديد، حتى بتُّ أخشى أن يتآكل القماش من كثرة الخياطة".
وتضيف: "بالأمس قال لي: يا أمي، لا أريد أن ألعب مع أصدقائي، فهم يسخرون مني بسبب ملابسي الممزقة، كلماته مزّقت قلبي.. إن الشعور بالإهانة أصعب من الجوع".
وتُشير إلى كومة صغيرة بجوارها متابعةً حديثها: "هذه كل ملابسنا.. أربع قطع فقط، يتناوب على ارتدائها سبعة أشخاص.. نغسلها وننتظرها حتى تجف، ثم نلبسها من جديد، حتى الملابس الداخلية لم تعد موجودة".

"البالة".. آخر الأسواق
في أحد الأسواق الشعبية بحي تل الهوى، يجلس رياض القصاص (53 عامًا) أمام بسطة صغيرة يعرض عليها ملابسًا مستعملة، يروي مأساته بمرارة:"كنت أبيع البالة للناس الذين يحبون التوفير أو يبحثون عن قطعة مميزة. أما اليوم، فقد أصبحنا جميعًا نعيش على البالة".
ويشير إلى أنّ الناس يأتون للبحث عن أي قميص، حتى لو كان ممزقًا أو متسخًا، المهم أن يغطي أجسادهم".
ويضيف بحرقة: "جاء رجل يحمل ابنته الصغيرة وقال لي: أريد لها فستانًا مستعملًا، حتى لو كان مقطعًا".
يصف هذا البائع البسيط شعوره بتلك اللحظة: "انفطر قلبي من الألم. فتشت له في كل الكومة، ولم أجد سوى قميص ولد. فأخذه وقال سأقصه وأفصّله لها".
لكن ما يزيد الطين بلة، أن أسعار ملابس البالة ارتفعت بشكل جنوني خلال الحرب، الأمر الذي يجعل الحصول على قطعة واحدة بمثابة ترف لا يستطيع الجميع تحمّله، مما يزيد من معاناة الأسر الفقيرة التي باتت تتنازع لقمة العيش مع تلبية أبسط حاجاتها.

طفولة مسروقة وثياب الركام
محمد الديب، طفل يبلغ من العمر عشر سنوات، من حي الزيتون، يجلس قرب خيمته مرتديًا قميصًا عليه آثار حروق.
يقول: "هذا القميص وجدته بين الركام. ألبسه في النهار وأنام فيه في الليل. ليس لدي غيره. عندما يدعوني أصحابي للعب، أرفض، فأشعر بالخجل أن يروني على هذا الحال".
والدته تضيف: "أطفالي لا يملكون أحذية، يمشون حفاةً على التراب والحجارة. ابنتي تبكي كل ليلة وتسألني: لماذا لا أملك بيجامة مثل صديقتي؟"
ولا يختلف حال النساء كثيرًا، ففي الجامعة الإسلامية بمدينة غزة، تتجسد معاناة النساء اللاتي نزحن من مناطق أخرى، حيث يواجهن صمت العراء وقسوة الواقع بملابس داخلية متهالكة، وحاجات يومية غير ملباة.
هناء حسونة، مثال حي على هذه المعاناة، تصف كيف تتشارك النساء القطع القليلة من الملابس وتتجرع الإحراج الذي لا يُرى لكنه يؤلم من الداخل، مبرزةً بذلك أن الأزمة لا تقتصر على الجوع فقط، بل تمس كرامة الإنسان نفسها.
تقول لمراسلتنا: "وضعنا كنساء أصعب بكثير. لا نملك ملابس داخلية ولا فوطًا نسائية. نغسل نفس القطعة مرات عديدة ونلبسها من جديد. أحيانًا نتبادل الملابس بيننا. هذا إحراج لا يراه أحد، لكنه يقتلنا من الداخل".
وتتابع: "حتى ملابس الأطفال لم تعد موجودة. ابنتي التي تبلغ من العمر سنتين ترتدي تيشيرتًا مراهقًا، قصصته بيدي.. الناس لا تعرف أن الكرامة تُنتهك هنا يوميًا بهذه التفاصيل الصغيرة".
