يختفي الناس فجأة، وتبقى وراءهم فراغات لا يملأها إلا الصمت، وجوههم المفقودة تتحوّل إلى سؤال دائم، وقلوب من يحبهم معلّقة بين أمل ويأس، في الحرب، يصبح الغياب أكثر قسوة، لا يعرف الأهل إن كان ابنهم حيًا أم رحل، ولا يقدّرون كم من لحظة ستطول حتى يسمعوا خبرًا، حتى لو كان مؤلمًا.
المفقودون ليسوا مجرد أرقام، بل نبضات حية توقفت عن الوصول، قصص معلقة على شفا الانتظار، وأحلام لم تُستكمل، كل يوم يمر يصبح الانتظار أكثر ثقلًا، وكل لحظة انتظار تجعل الحزن أكثر عمقًا، ويزيد شعور العجز أمام الحقيقة المجهولة.
في قلب كل أسرة، هناك سؤال واحد يرفض أن يزول: أين هو؟ هل عايش؟ الغياب هنا ليس مجرد مسافة، بل زمن يتوقف، وحياة تتوقف على أمل صغير يبقى متقدًا رغم الظلام.
"انتظار قاتل"..
قالت أم محمد مناع إن ابنها مفقود منذ السابع والعشرين من تموز/يوليو، بعدما أخذته قوات الاحتلال من منطقة القرارة شرق خان يونس، ومنذ ذلك اليوم لم يعد هناك أي خبر عنه.
وأضافت "مناع" في مقابلةٍ مصوّرة لـ "وكالة سند للأنباء"، أنها بحثت عنه في كل مكان، وحاولت الوصول إلى أي معلومة عن مصيره، لكنها لم تتلقَّ أي إجابة واضحة، رغم تواصلها المستمر مع الجهات المعنية.
وذكرت أن الاحتلال يرفض تقديم أي معلومات حول ابنها أو مكان وجوده، تاركًا العائلة في قلق دائم لا يطاق.
وأكدت أن أصعب ما تمر به هو شعور الانتظار القاتل، وهي لا تعرف إن كان ابنها حيًا أم لا، داعية الله ألا يذيق أي إنسان مرارة الفقد والانتظار.
وختمت رسالتها بالتأكيد على ضرورة الالتفات إلى قضية الأسرى والمفقودين، قائلة إن قلوب الأمهات تتقطع وهي تسأل عن أبنائها، وتنتظر خبرًا يبدد الغياب الطويل.
تقديرات إحصائية..
تشير تقديرات للأمم المتحدة إلى أن عدد المفقودين في غزة يتراوح بين 8 آلاف و11 ألف شخص، بينهم الغالبية من النساء والأطفال، ولا تزال طبيعة مصيرهم مجهولة، ويأتي هذا الرقم متوافقًا مع ما ذكره المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة، بينما تشير بيانات مراكز الإحصاء الفلسطينية إلى وجود بين 6 آلاف و8 آلاف مفقود تحت الأنقاض لم تُدرج ضمن الإحصاءات الرسمية.
ويستعرض تقرير المرصد الأوروبي لحقوق الإنسان وجود أكثر من 13 ألف شخص تحت أنقاض المنازل أو في مقابر جماعية، في حين أوضحت منظمة "أنقذوا الأطفال" أن عدد الأطفال المفقودين يتراوح بين 17 ألفًا و21 ألف طفل.
وتشير المصادر إلى صعوبة التعرف على الجثامين أو توثيق حالات الوفاة، مع شبه انعدام الإمكانيات للبحث والانتشال، ما يزيد من تعقيد مهمة تحديد مصير آلاف المفقودين. وتضيف التقارير أن بعضهم استشهد أثناء محاولته انتشال أفراد من عائلته من المنازل المدمرة.
كما تؤكد تقارير أخرى تعرض بعض المفقودين للإخفاء القسري، دون توفير أي معلومات عن أماكن وجودهم، بينما تذكر منظمات حقوقية محلية أن هناك من يُرجح وجودهم داخل السجون الإسرائيلية.
