في الوقت الذي يُواصل فيه جيش الاحتلال الإسرائيلي توسيع عدوانه العسكري على مدينة غزة عبر خنق أطرافها بالقصف الكثيف وعمليات النسف، يشتد ضغطه على السكان المدنيين عبر أوامر إخلاء جماعية تُطالبهم بالنزوح جنوبًا ووسط القطاع، بزعم أنها مناطق "آمنة" تتوفر فيها المساحات والخدمات الإنسانية.
ورغم الترويج الإسرائيلي لوجود "مساحات شاسعة آمنة" في جنوب ووسط القطاع، إلا أن الواقع في مخيمات النزوح يُكذّب هذه السردية، حيث تختنق المناطق المُستهدفة بالنزوح بأزمات مركبة تفاقمت على مدى الشهور الماضية.
وأظهرت جولة أجرتها مراسلة "وكالة سند للأنباء" في مخيمين للنازحين شمال وجنوب دير البلح، مشاهد إنسانية صادمة لأسر تكافح البقاء وسط بيئة غير صحية، واكتظاظ هائل، وموارد شحيحة لا تكفي لحجم المأساة المتزايدة، فكيف سيكون الحال مع أي موجات نزوحٍ جديدة إلى هذه الأماكن؟
ففي كل اتجاه من قطاع غزة، هناك تكدس سكاني كبير، وطوابير للمياه، وتهافت على ما تبقى من تكايا الطعام الخيرية، فيما يعاني النازحون من نقص حاد في أبسط مقومات الحياة.
ويتفق النازحون على أن الاكتظاظ داخل المخيمات يجعل من المستحيل استيعاب المزيد من الأسر الفارة من القصف، حيث لا توجد مساحات كافية لنصب خيام جديدة، ولا بنية تحتية صحية تدعم هذه الكثافة.

لا متسع لخيمة واحدة..
يعاني مخيم أرض شُرّاب في دير البلح غرب مستشفى شهداء الأقصى من اكتظاظ شديد، حيث يضم أكثر من 411 أسرة على مساحة محدودة لا تسمح بإضافة خيمة واحدة جديدة.
ويقول مدير المخيم السيد محمود إسماعيل المقيد إن المخيم يفتقر إلى البنية التحتية السليمة، ويعاني من نقص مياه الاستخدام الآدمي، ومياه الشرب، وغياب الصرف الصحي، بالإضافة إلى أزمة في تأمين الغذاء.
ويوضح المقيد أن هذه العائلات نزحت من مناطق شرق المحافظة الوسطى، التي تصنف مناطقها حاليًا على أنها "حمراء" وخطيرة، مما يمنع السكان من العودة إليها.
ويتساءل بمرارة: "أين هذه المساحات الشاسعة التي يدعي الاحتلال وجودها؟ وأين الخدمات التي يتحدثون عنها؟" مؤكداً أن جميع مناطق القطاع غير آمنة، وأن مراكز الإيواء تتعرض لهجمات متكررة.
ويجسد النازحون هذه الأزمة بشكل واضح، حيث تؤكد السيدة أم مازن الحاج سلامة (67 عامًا) التي نزحت مع زوجها المريض من حي تل الهوا غرب غزة إلى مخيمات دير البلح، أن الخيام في المخيم ضيقة ومهترئة ولا يوجد متسع للتوسع.
وتتساءل: "إذا كان هذا حالنا، فأين سيعيش النازحون الجدد؟" وتشير إلى نقص مواد التنظيف وانتشار الأوساخ بالقرب من مياه الصرف الصحي، مما يزيد من خطورة انتشار الأمراض مع موجات النزوح الجديدة.
وفي ذات السياق، تحكي السيدة أم علاء منصور، النازحة من مخيم البريج، عن مأساة الاكتظاظ في مراكز الإيواء التي تعاني من تفاقم الأزمات الصحية، مع انتشار أمراض جلدية وصدرية وهضمية، وعدم توفر العلاج المناسب بسبب الحصار وتضرر المستشفيات.
وتضيف، وهي حامل على وشك الولادة: "كيف سيكون حال الحوامل والأطفال إذا ازدادت أعداد النازحين؟"
وقد أعلنت وزارة الصحة عن تفشي أمراض وفيروسات مجهولة المصدر والطبيعة، لا تتمكن الطواقم الطبية من مواجهتها أو علاجها، ما يفاقم الضغط على منظومة صحية منهكة تعاني أصلًا من آثار القصف الإسرائيلي المستمر.
وتحذر الجهات الطبية من أن استمرار موجات النزوح دون توفير بدائل حقيقية يهدد بوقوع كارثة طبية كبيرة، تُضاف إلى سلسلة الأزمات الصحية المتتالية التي ضربت القطاع منذ بداية الحرب.

من جانبها، تشكو السيدة هبة عبيد، النازحة من حي الشجاعية شرقي مدينة غزة، من شح المياه وجودتها الرديئة، موضحة أن الجالونات المتوفرة لا تكفي للاستخدام اليومي، والمياه شديدة الملوحة لا تنظف حتى الملابس أو الأواني، وتتساءل: "كيف سأوفر الماء إذا ازدادت أعداد النازحين؟ هل سأنتظر طويلاً في طوابير المياه؟"
كذلك تزداد المخاوف مع اقتراب فصل الشتاء، حيث تزداد هشاشة الخيام المهترئة التي قد تغرق عند تساقط الأمطار، كما تؤكد السيدة أميرة غنيمة، التي تعول ابنتها المريضة، أن الأسرة تفتقر إلى مساحة تمنع تراكم المياه.
كما تعاني من غياب المساعدات الشتوية، وتتساءل بقلق عن قدرة النازحين على الصمود في ظل هذا الواقع المأساوي.
وتختم أميرة قائلة: "إسرائيل تطالب الناس بالنزوح، لكن هل هناك أمان فعلاً في وسط وجنوب القطاع؟ هل تتوفر وسائل المواصلات؟ هل يملك المواطن القدرة المالية على النزوح؟ وهل تتسع مراكز الإيواء لآلاف النازحين الجدد فوق التكدس القائم؟"
وتشير إلى أن ارتفاع أعداد النازحين سيزيد الطلب على الموارد المحدودة في الأسواق، مما قد يؤدي إلى نفاد المواد الغذائية ومواد التنظيف بسرعة، في ظل ظروف معيشية صعبة يعتمد فيها النازحون على استخدام النار للطهي وسط مساحات ضيقة ومتلاصقة، ما يهدد بوقوع حرائق.
ويرى المكتب الإعلامي الحكومي، أن النزوح القسري نحو محافظات الجنوب في قطاع غزة يواجه عقبات شبه مستحيلة، خاصة مع وجود عجز في مراكز الإيواء يفوق 96%، مما يجعل محافظات الوسط والجنوب غير قادرة على استيعاب أكثر من 1.3 مليون نازح قسري من مدينة غزة.

وفي ذات السياق، أكد رئيس بلدية دير البلح، نزار عياش في تصريح سابق مع "وكالة سند للأنباء"، أن المدينة وصلت إلى حالة من الاكتظاظ الكامل، حيث لم يعد هناك أي مساحة متاحة لاستقبال خيام نزوح جديدة.
وأضاف أن المناطق الساحلية ممتلئة بشكل تام، في حين أن المناطق الشرقية من المدينة تشهد عمليات عسكرية متواصلة تجعلها غير آمنة للسكان.
وأشار عياش، إلى أن البنية التحتية في دير البلح تعاني من التدهور الشديد، حيث تعتمد محطة تحلية المياه على كميات محدودة من الوقود لا تكفي إلا لتوفير مياه لعدد ضئيل من السكان، وهو ما يزيد من حدة الأزمة المائية.
ولفت إلى أن موجات النزوح السابقة خلفت كوارث بيئية وصحية في المدينة بسبب الاكتظاظ الشديد ونقص الخدمات الأساسية، وأن هذه الأزمات تتفاقم الآن بشكل أكبر مع تكرار موجات النزوح، مما يهدد بتدهور أوضاع إنسانية خطيرة في دير البلح وبقية مناطق المحافظة الوسطى.

