في قرية روجيب، جنوب شرق نابلس، تقف الفلسطينية الخمسينية رحاب دويكات، رمزًا للصمود والإصرار، مثل شجرة العبهر، التي تشتهر بصلابتها وعطرها الفواح، تحمل رحاب هذه الصلابة، وتضع على عاتقها حماية أرضها المهجورة، تخوض وحدها معركة مستمرة على مدى تسع سنوات في وجه غول الاستيطان.
تمتلك رحاب حوالي عشرين دونمًا من الأرض في خلة العبهر شرقي قريتها، على تلة جبلية ذات موقع مميز وإطلالة خلابة.
الأرض التي تحمل الرقم 68، أصبحت مسرحًا لمعركة كبرى، كسرت فيها رحاب الصورة التقليدية للصراع التي غالبًا ما كانت حكراً على الرجال والشباب. بعملها الدؤوب وكدها، شكلت نموذجًا للسير الذاتية المتشبثة بالأرض، تعتني بأشجارها كما تعتني ببناتها، اللاتي شاركنها في بناء نواة موحدة للتعمير والحماية، تمامًا كبذور شجرة العبهر التي تنمو بصلابة وسط تنوع الطبيعة.

بدأت رحاب معركتها عام 2017، فقد شهدت الأشهر الـ12 الأولى تحديات كبيرة: جرافات تشق الأرض، وأيادي تقتلع الأشواك، ونساء يحملن المعاول لبناء الجدران الحجرية التي تحمي الأرض، فيما تم زرع أول 120 شجرة زيتون صغيرة محاطة بأسلاك شائكة وبوابة معدنية تحميها كفنادق خمس نجوم. كان هذا المشروع بمثابة إحياء للأرض الميتة.
تحكي رحاب لـ "وكالة سند للأنباء" عن تفاصيل هذا التعب المحبب إلى النفس، عيناها ترصدان بحذر كل حركة وغريبة في خلتها، حيث قُطعت آلاف الأشجار المثمرة في هجمات استيطانية مروعة راح ضحيتها 300 شجرة زيتون.
رغم التهديدات، لم تضع رحاب يديها في جيبها. تعاونت مع مشروع إسباني والمجلس المحلي لتنفيذ مشروع شق طريق بطول 2 كيلومتر، وفرشه بالبسكورس، مما شجع أصحاب الأراضي المجاورة على الانضمام واستعادة الحياة في المنطقة.
لكن استهداف الاستيطان لم يتوقف، حيث سُرقت البراميل البلاستيكية وصهاريج المياه وأنابيب الري. حاولت رحاب استعادتها من مزرعة مجاورة أقيمت على أرض مسروقة، لكن جيش الاحتلال منعها وهددها بالاعتقال.
لم يثنها ذلك، بل زادها عزماً، وزرعت الخضروات العطرية كالزعتر والميرمية، بدعم من المتطوعة حنان الدبوانية.
تقول رحاب إن هجمات مستوطني مستعمرة "إيتمار" لا تتوقف، هدفها إخراجها من الأرض، حيث يخربون الجدران الاستنادية، يقطعون أسلاك الحماية، ويدخلون أغنامهم لتدمير المزروعات.
في ذكرى يوم الأرض في 30 مارس/ آذار الماضي، كانت رحاب على موعد مع نشطاء وتضامنين من الداخل الفلسطيني للاحتفال، لكن الاحتلال منعهم من الوصول، وصادر جرافة واعتقل صاحبها.
ومع ذلك، لم تستسلم رحاب، وعادت مع الوفد في اليوم التالي للاحتفال فوق تراب خلتها.

تشارك رحاب في معركة البناء وحماية الأرض مع زوجها وبناتها، رغم الاعتقالات التي طالت شقيق زوجها، ومحاولات تخريب متكررة للسيارات الخاصة بها. حولت الأرض إلى واحة خضراء تحتوي على أشجار ونباتات مثمرة وطبية.
بالإضافة إلى ذلك، تعمل رحاب في اللجان التطوعية للإغاثة الزراعية، تقدم الدعم للمزارعين والرعاة في المناطق المهمشة والمهددة، بما فيها الأغوار والتجمعات البدوية.
لكن منذ شهورٍ طويلة، مُنعت رحاب من الوصول إلى أرضها، بعدما أبلغها أقاربها أن "جنتها" عادت خربة كما كانت، ومع ذلك، زارت وسائل الإعلام الأرض كثيراً، ولكن السؤال الذي يبقى بلا جواب هو: من سيحمينا؟
ويعود تاريخ استيطان تل حاييم في روجيب إلى أوائل ثمانينيات القرن الماضي، حيث أصدرت المحكمة العليا الإسرائيلية قراراً بنقل المستوطنة من موقعها إلى مناطق أخرى.
إلا أن مستعمرة "إيتمار" أقيمت لاحقاً على أراضي قرى مجاورة بينها روجيب، تحمل اسم شخصية توراتية تُعتبر مقدسة لدى المستوطنين.
ويبلغ عدد سكان روجيب حوالي 6800 فلسطيني، بينما تتباين أرقام مساحة الأراضي بين تصنيفات اتفاق أوسلو الثلاثة، مما يعكس تعقيدات الصراع على الأرض.
