أبرزت صحيفة الغارديان البريطانية أن نحو مليون فلسطيني في مدينة غزة وشمالها يواجهون خطر النزوح مرة أخرى أو البقاء في مناطقهم مع تفاقم القصف على الرغم من الغضب الدولي من استمرار حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية.
ونبهت الصحيفة إلى دخول الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة مرحلة أكثر خطورة مع إصدار الجيش الإسرائيلي أمر إخلاء شامل لسكان مدينة غزة، في خطوة وصفتها منظمات إنسانية بأنها تهدد حياة "عدد لا يحصى من المدنيين"، وتفتح الباب أمام مأساة نزوح جديدة لمليون فلسطيني يعيشون في أكبر مناطق القطاع كثافة سكانية.
وقد أصدر جيش الاحتلال يوم الثلاثاء أوامر إخلاء تشمل جميع أحياء مدينة غزة، من شرقها حتى ساحلها الغربي، في خطوة تمهّد لاقتحام بري واسع يهدف إلى السيطرة الكاملة على المدينة.
ونشر الناطق باسم الجيش أفيخاي أدرعي ومنسق عمليات الاحتلال البيان مرفقًا بخرائط توجه السكان نحو منطقة المواصي جنوب القطاع، بينما ألقت الطائرات الحربية منشورات مشابهة على مناطق مكتظة غرب المدينة.
وأبرزت الغارديان أن الإنذارات الإسرائيلية أدخلت نحو مليون مدني في حالة من الفوضى والارتباك، إذ يجدون أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مرّ: النزوح من جديد نحو الجنوب المزدحم والمنهك، أو البقاء تحت القصف المكثف.
قلق إنساني متصاعد
عبرت منظمة أكشن إيد الإنسانية الدولية عن "قلق بالغ إزاء إعادة احتلال مدينة غزة"، مؤكدة أن الخطوة ستعرض حياة عدد لا يحصى من المدنيين للخطر، وتضيف المزيد من الدمار إلى مجتمعات تعيش أصلاً في ظروف المجاعة الناجمة عن الحصار والقيود الإسرائيلية على دخول المساعدات.
وأشارت المنظمة إلى أن أكثر من نصف شركائها المحليين يتمركزون في مدينة غزة، ومن بينهم جمعية دراسات تنمية المرأة الفلسطينية (PDWSA) التي تقدم دعماً نفسياً وصحياً للنساء والفتيات.
وشددت الجمعيات على أنها ستواصل العمل لإنقاذ الأرواح "ما دامت الظروف تسمح"، رغم التهديدات المستمرة.
بدورها حذرت الأمم المتحدة من أن المنطقة الجنوبية، التي تصفها دولة الاحتلال بأنها "آمنة"، لا تملك القدرة على استيعاب موجة نزوح جديدة، بينما يحتاج الانتقال إليها إلى تكلفة قد تتجاوز ألف دولار للأسرة الواحدة، وهو ما لا يملكه معظم سكان غزة.
كارثة إنسانية تتعمق
تتفاقم الأوضاع المأساوية في قطاع غزة يومًا بعد يوم. يوم الثلاثاء فقط، توفي ستة فلسطينيين جوعًا، ليرتفع عدد ضحايا المجاعة إلى 399 منذ بدء الحرب.
الطفلة لانا صالح جحا، البالغة من العمر خمس سنوات، تجسد بألم حجم الكارثة، إذ تعاني من سوء تغذية حاد نتيجة الحصار الإسرائيلي.
ورغم المزاعم الإسرائيلية بتحويل المواصي إلى "منطقة إنسانية محسّنة"، واصلت قوات الاحتلال قصف المنطقة حتى الأسبوع الماضي، مما عزز شكوك السكان في أي وعود إسرائيلية بتوفير الأمان.
تصعيد دموي في المدينة
الجيش الإسرائيلي كثف قصفه في الأيام الأخيرة على مدينة غزة، مستهدفًا الأبراج والعمارات السكنية. رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تفاخر بتدمير 50 "برجًا"، بينما قالت وزارة الصحة الفلسطينية إن 83 شخصًا استشهدوا خلال 24 ساعة فقط بفعل الغارات الإسرائيلية.
وبينما يستمر القصف، يعيش السكان حالة من اليأس. أم محمد (55 عامًا)، أم لستة أطفال "رغم القصف في الأسبوع الماضي، قاومت المغادرة، ولكن الآن سأذهب لأكون مع ابنتي"، وذلك في شهادة تجسد معاناة آلاف الأسر الممزقة بين البقاء تحت النار أو التشرد المتكرر.
ولوحظ أن شوارع مدينة غزة امتلأت بمشاهد مأساوية لعائلات تحمل ما تستطيع من أمتعة على سيارات أو دراجات، بينما يتصاعد دخان الغارات فوق رؤوسهم.
وقد أثار الهجوم الإسرائيلي المرتقب موجة واسعة من الانتقادات الدولية فيما جددت منظمات الإغاثة العالمية مطالبها بوقف الهجوم، مؤكدة أن أي عملية عسكرية في المدينة ستؤدي إلى كارثة إنسانية غير مسبوقة.
وحذرت الغارديان من أنه مع صدور أوامر الإخلاء الجديدة وتصاعد التهديدات بالاقتحام البري، يبدو أن غزة مقبلة على فصل أكثر دموية في حرب لم تترك للمدنيين سوى خيارات الموت أو النزوح.
وخلصت إلى أن الهجوم الإسرائيلي الموسع على مدينة غزة ليس مجرد عملية عسكرية، بل هو تحدٍ صارخ للقانون الدولي الإنساني، وتحوّل خطير قد يقود إلى كارثة إنسانية غير مسبوقة.
إذ أن حياة مليون إنسان مهددة اليوم بالمجاعة والتشريد أو الموت تحت القصف، بينما يقف المجتمع الدولي عاجزًا عن كبح آلة الحرب الإسرائيلية.
