أكدت مجلة الإيكونومست البريطانية أن القصف الإسرائيلي على العاصمة القطرية الدوحة الذي استهداف الوفد المفاوض لحركة "حماس" شكل خطوة صادمة ليس فقط لقطر بل للمنطقة والعالم وعمق عزلة دولة الاحتلال إقليميا ودوليا.
وأبرزت المجلة أن استهداف قيادات حماس على أرض دولة حليفة للغرب ووسيط رئيسي في محادثات وقف إطلاق النار في قطاع غزة يمثل خطأ استراتيجيًا فادحًا، يعمّق عزلة تل أبيب ويضعف موقعها.
وأشارت إلى أنه رغم أن دولة الاحتلال اعتادت استهداف قادة حماس وحزب الله في غزة ولبنان وسوريا وحتى إيران، إلا أن ضربة الدوحة تختلف جذريًا.
فوجود قادة حماس في قطر لم يكن سرًا، بل كان بموافقة ضمنية من واشنطن، في إطار ترتيبات هدفت إلى تمكين الدوحة من لعب دور الوسيط في محادثات غير مباشرة في ملف غزة.
وعلى عكس عمليات الاغتيال السابقة التي جرت في دول تُتهم بالتواطؤ مع فصائل المقاومة، فإن قطر دولة سيادية استضافت قادة حماس بترتيب سياسي، وبرعاية دولية. لذلك، فإن استهدافهم على أراضيها لم يكن سوى طعنة مباشرة في قلب الوساطة التي كان من المفترض أن تقود إلى وقف إطلاق نار.
رفض داخلي إسرائيلي للضربة
أبرزت المجلة المفارقة بأن العملية لم تحظَ بإجماع في دولة الاحتلال نفسها. إذ أن تقارير أشارت إلى أن الموساد والجيش الإسرائيلي عارضا تنفيذ الضربة، معتبرين أنها ستؤدي إلى تعقيد المفاوضات وتضر بالمصالح الإستراتيجية. ومع ذلك، مضى نتنياهو في العملية، وهو ما يثير الشكوك حول دوافعه الحقيقية.
ويجمع محللون على أن نتنياهو يسعى إلى إطالة أمد الحرب في غزة لاعتبارات سياسية داخلية، إذ يخشى أن يؤدي أي اتفاق تهدئة إلى انهيار تحالفه الحكومي المتشدد.
بهذا المعنى، لم يكن القصف على الدوحة مجرد عمل عسكري، بل أداة سياسية تخدم بقاء نتنياهو في السلطة على حساب الاستقرار الإقليمي.
تداعيات كارثية على المنطقة
النتيجة المباشرة للهجوم الإسرائيلي هي تعطيل مسار محادثات التهدئة. فبعد الضربة، أصبح من المرجح أن تستمر الحرب لفترة أطول، وهو ما يعني مزيدًا من الدمار والضحايا في غزة دون أي مكاسب عسكرية ملموسة لإسرائيل.
ويؤكد جنرالات الجيش الإسرائيلي أنفسهم أن أي تقدم ميداني إضافي سيكون محدودًا، بينما يدفع الفلسطينيون ثمنًا إنسانيًا كارثيًا.
إقليميًا، يضع الهجوم العلاقات الإسرائيلية – الخليجية أمام اختبار خطير. فبينما لم تكن قطر جزءًا من اتفاقات أبراهام، فإن البحرين والإمارات وقّعتا عليها، وكانت السعودية تفكر في الانضمام إليها.
لكن استخدام دولة الاحتلال قوتها العسكرية ضد أهداف في دولة ذات سيادة تتعاون معها الولايات المتحدة يقوّض فكرة "الشراكة الأمنية" ويعزز الشكوك في نوايا تل أبيب.
إضعاف الموقف الأمريكي في الخليج
أكدت الإيكونومست أن الهجوم لا يضر دولة الاحتلال وحدها، بل يضع الولايات المتحدة في موقف بالغ الحرج. فقاعدة العديد الجوية في قطر هي الأكبر لواشنطن في المنطقة.
فإذا كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد علم مسبقًا بالضربة، فهذا يعني أنه أجاز استهداف دولة تحت الحماية الأمريكية، وهو ما يضعف مصداقية واشنطن كضامن أمني. أما إذا لم يكن على علم، فذلك يثبت أن الولايات المتحدة عاجزة عن كبح جماح دولة الاحتلال، ما يثير قلق حلفائها الخليجيين.
هذا القلق ليس جديدًا؛ إذ سبق أن شعرت السعودية والإمارات بتخلي واشنطن عنهما عندما لم ترد بشكل فعال على هجمات الطائرات المسيّرة الإيرانية التي استهدفت منشآتهما النفطية في 2019 و2022. والآن، بعد هجوم الدوحة، قد تستنتج هذه الدول أن الضمانات الأمريكية لا تُعتَبر حقيقية، وأن (إسرائيل) تتصرف بما يتجاوز حدود السيطرة الأمريكية.
اتفاقات أبراهام على المحك
جاء الهجوم الإسرائيلي على الدوحة في وقت حساس، إذ تحتفل اتفاقات أبراهام بذكراها الخامسة هذا الشهر. هذه الاتفاقات وُصفت بأنها مشروع لفتح آفاق اقتصادية وأمنية جديدة للمنطقة عبر دمج إسرائيل في النظام الإقليمي. لكن رفض تل أبيب لحل الدولتين وتصعيدها المستمر في غزة أضعفا بالفعل هذه الاتفاقات.
الآن، وباستهدافها أهدافًا في قطر، أكدت دولة الاحتلال أنها ترى لنفسها حقًا غير مشروط في استخدام القوة داخل أراضي دول ذات سيادة، حتى تلك التي يُفترض أنها شريكة أو وسيطة.
ويجعل هذا المنظور من الصعب على أي دولة خليجية أخرى التفكير بجدية في تطبيع أو تعاون أمني مع تل أبيب، بحسب الإيكونومست.
إسرائيل تعزل نفسها
قالت المجلة إنه في الظاهر، قد تبدو الضربة استعراضًا للقوة الإسرائيلية، لكنها في العمق عمّقت عزلة تل أبيب وأضرت بمكانتها الإقليمية والدولية.
فإسرائيل، التي استفادت لعقود من الدعم العسكري والسياسي الأمريكي، تحولت إلى قوة متهورة تعرض مصالح حلفائها للخطر.
والضربة ربما منحت نتنياهو مكاسب سياسية داخلية قصيرة المدى، لكنها أضعفت الموقف الإسرائيلي على المدى الطويل، وأكدت للعالم أن تل أبيب لا تتورع عن تجاوز الخطوط الحمراء، حتى لو كان ذلك على حساب استقرار المنطقة وشراكاتها الاستراتيجية.
