لا تكتفي دولة الاحتلال الإسرائيلي بالقصف والحصار والتدمير، بل انتقلت إلى استراتيجية أكثر هدوءًا وخطورة: استهداف شرايين الحياة التي تبقي السكان على قيد الحياة.
وأبرز موقع ميدل إيست آي البريطاني، أنه منذ منتصف أغسطس/آب، كثّف جيش الاحتلال ضرباته على المباني السكنية والمدارس والمرافق المدنية التي يعتمد عليها أكثر من مليون فلسطيني للبقاء في مدينة غزة.
وقد شملت الغارات: الألواح الشمسية على أسطح المباني، وخزانات المياه ومحطات ضخها، ونقاط الإنترنت وشحن الهواتف، والمدارس التي تحولت إلى ملاجئ للنازحين.
والهدف – وفق مراقبين – ليس قتل المدنيين فقط، بل تجريدهم من مقومات الحياة الأساسية حتى يضطروا إلى النزوح الجماعي نحو الجنوب.
"نموت ببطء عطشًا"
يروى المواطن عماد سرساوي (43 عامًا): "كنت دائمًا أقول إني مستعد للموت مع عائلتي في منزلنا بدلًا من النزوح مجددًا. لكن ما يحدث أخطر من الموت. بالأمس قصفوا ألواحًا شمسية لجيراننا، كانت مصدر المياه والكهرباء لنا جميعًا. الآن لا نجد حتى ماءً غير صالح للشرب. سنموت عطشًا ببطء".
ومنذ أكتوبر 2023، قطعت دولة الاحتلال المياه والكهرباء والوقود عن غزة، ودمّرت بنيتها التحتية. والآن، بعد نحو عامين من الحرب، تدفع استراتيجيتها الجديدة السكان نحو الاستسلام للنزوح بفعل العطش والجوع والظلام.
ومع انقطاع الكهرباء، ابتكر سكان غزة حلولًا بديلة عبر إنشاء نقاط شحن جماعية تعتمد على الطاقة الشمسية. مقابل مبلغ زهيد، يتمكن الناس من شحن هواتفهم وأجهزتهم، وهي وسيلة تواصلهم الوحيدة مع العالم الخارجي.
لكن الجيش الإسرائيلي بدأ مؤخرًا باستهداف هذه النقاط بشكل متعمد.
يقول أحمد عبيد (26 عامًا)، نازح يقيم في مدرسة وسط غزة: "قصفوا مبنى في حيّنا واستهدفوا فقط الطابق الأرضي حيث توجد نقطة شحن. في اليوم التالي، أغلق جيران آخرون محطاتهم خوفًا من الاستهداف".
ونبه الموقع إلى أن غياب هذه الخدمات يجبر العائلات على التحرك جنوبًا، بحثًا عن أماكن تتوفر فيها إمكانيات شحن أو ماء، ما يعني عمليًا إفراغ أحياء كاملة من سكانها.
المدارس.. من ملجأ إلى هدف
لم تسلم المدارس التي تحولت إلى ملاجئ للنازحين من القصف. على مدار الأسبوع الماضي، تلقى سكان أحياء في تل الهوى أوامر إخلاء، تلتها ضربات مباشرة.
يقول عبيد: "أقمت في هذه المدرسة منذ نزوحنا من الشجاعية مع بداية الحرب. بعد عامين تقريبًا، أصبحت منزلنا. إذا أُجبرنا على الخروج، فلن نجد مكانًا آخر. المدارس مكتظة والخيام غير متوفرة".
وهذه المدارس لم تكن مأوى فقط، بل وفرت الكهرباء لضخ المياه للمباني المجاورة. إغلاقها يعني حرمان آلاف السكان من مصادر الشرب والغسيل والطهي.
ويصف مراقبون الاستراتيجية الإسرائيلية بأنها تطهير عرقي معلن، هدفه إفراغ مدينة غزة من سكانها عبر الجمع بين القتل المباشر وتجريد الناس من وسائل البقاء.
ويشيرون إلى أن الخطة الإسرائيلية باتت واضحة: من يرفض النزوح يُترك بلا ماء ولا كهرباء ولا مأوى ومن يحاول البقاء يجد نفسه محاصرًا بالمجاعة والعطش وانعدام الأمان فيما من يصر على الصمود يُدفع إلى الشك في جدوى بقائه وسط أحياء مفرغة وخدمات معدومة.
كما قال أحمد عبيد "إنهم يغلقون كل الخدمات التي تبقي الإنسان حيًا لإفراغ أحياء كاملة. من يصر على البقاء يجد نفسه وحيدًا ويشكك في قراره".
وختم الموقع بأن تدمير شرايين الحياة في غزة يكشف عن تحول استراتيجي في الحرب الإسرائيلية: من القصف المباشر إلى الحرب الصامتة التي تفتك بالمدنيين عبر تجويعهم وتعطيشهم. إنها سياسة "المحو التدريجي"، حيث يُجبر السكان على النزوح الجماعي دون أن تُطلق رصاصة واحدة.
ومع اقتراب الغزو البري لمدينة غزة، تزداد المخاوف من أن يتحول هذا الأسلوب إلى أداة مركزية في مشروع الاحتلال لـ"إعادة هندسة" الخريطة السكانية للقطاع، عبر اقتلاع المواطنين من جذورهم وتحويلهم إلى لاجئين بلا عودة.
